الرئيسية | القضية الفلسطينية | رأي واضـــح في مقـــال فــاضــح «رأي في التطبيع»!

رأي واضـــح في مقـــال فــاضــح «رأي في التطبيع»!

د.كدير مراد /

من عادتي أني أحرص كل الحرص على تجنب ردة الفعل والردود على الشخوص النكرة واعتماد إماتة الباطل عندما يكون حامله نكرة يريد التعريف والشهرة أو يكون موضوع النقاش مما يندرج في الفروع المختلف فيها أو تلك المواضيع التي تناقش دون أن ينبري عن الحجاج فائدة مباشرة أو غير مباشرة على صلاح الأمة ورفعة الوطن وحماية الدين أما وإن كان الباطل محاولة ضرب للثوابت أو قلب للقيم أو سلب للفطرة بغية حلول النظرة الصهيونية محل المناعة العقدية الإيمانية للأمة الجزائرية المتصالحة مع هويتها وقيمها وذواتها والفاصلة فصلا قاطعا في موقفها من الاحتلال الصهيوني ودعمها الثابت غير المشروط للشعب الفلسطيني والشعوب المستعمرة المقهورة إلى حين تقرير مصيرها وفاءً لبيان أول نوفمبر ولنصاعة النموذج الملهم للثورة الجزائرية التي تقدمه للشعوب الثائرة فإن السكوت هو مشاركة فاعلة في تفريغ الساحة لمن يهدد عالم أفكار الشعب الجزائري ويسيء لتاريخه ويهدد مستقبله بمحاوله جعله كومبارس عند الكيان الغاشم!
وقد تكون هذه الكلمات فرصة للتحليل والرد على ما جاء في مقال معنون ب «رأي في التطبيع» الذي يعتبر محاولة تبريرية غير مباشرة للخيانة الإماراتية واستخدام المغالطة السياسية والجهل التاريخي والضحالة الفكرية تمهيدا للتعبير بكل وقاحة عن الطمع في مراجعة الثوابت والقيم ظنا منهم أن الشعب الجزائري الأصيل يشبههم في جعل القيم والثوابت سلعة تباع بثمن بخس في بورصة الخيانة.
ومع أن الكلام فيه استفزاز كبير للمشاعر الوطنية وإرادة مبيتة للتشكيك في الذاكرة الوطنية ومقومات الهوية الجامعة للنسيج الوطني الجزائري كمحاولة جديدة للإنطلاق في محاولة كي الوعي الجمعي الجزائري الذي يحقق صورة الإجماع كقلعة ثابتة راسخة شامخة أمام محاولات الأبواق الإعلامية المأجورة اجتيازها إلا أنه محدود التأثير ضحل التفكير.
قد يكون الرد العلمي المنطقي أجدى في التدافع مع أولئك رغم اليقين أن التحريك العاطفي والحفاظ على جذوة كره الكيان الصهيوني والعاطفة الجياشة التي يكنها الشعب الجزائري لفلسطين مهمة أيضا لكن التعويل عليها دون مناعة إيمانية عقدية وفكرية سيسمح لهذه القوارض الثقافية قطع الرابطة الايمانية والعقدية والحضارية التاريخية بين هذا الشعب الأصيل وبين فلسطين.
قد يكون كره أردوغان ومشروعه ظاهرا في المقال وقد لا يكون ذلك خافيا للمتتبع لكتابات هذه السيدة ولعل التمهيد للمقال بذلك بارز، ولن أكون أبدا ممن يبرر لهذه العلاقة المرفوضة من ناحية المبدأ مع هذا الكيان الصهيوني المحتل فأنا ضد كل من يشرعن وجود الاحتلال ويربط به وصلا مهما كان، إلا أن العقل والمنطق والإنصاف يفرض علينا عدم السقوط في زيف مقارنة تحويل علاقات مبدئية تاريخية قديمة متجذرة استراتيجية موروثة خادمة للمشروع الصهيوني ووكيلٍ لها في المنطقة قبل حكم العدالة والتنمية إلى علاقات مصلحة متنافرة متصارعة على النفوذ في المنطقة في المسار الاستراتيجي مع قطع كامل للعلاقات السياسية والحفاظ على تركة مشؤومة مرفوضة في الجانب الاقتصادي.
لا يمكن للعاقل عقد المقارنة بين هذه العلاقة المرفوضة وتحولها البارز ودولة تقيم للمرة الأولى علاقات ديبلوماسية مع كيان محتل قائم على التفوق الاستراتيجي على دول المنطقة، بل دولة وكيل خادمة للمشروع الصهيوني منفذة لاستراتيجية التفتيت والتبعيض والبلقنة في ليبيا وسوريا واليمن ومحاولة توقيف الهبة التحررية لشعوب المنطقة وثوراتهم كن أجل الانتقال لدول ديمقراطية كاملة السيادة محمية المؤسسات مستقلة القرار.
إن ما تسميه حرية وإستقلال وسيادة الإمارات لتنفيذ خطتها والبحث عن مصالحها قد يشرح منظومة الأفكار التي تؤمن بها الكاتبة التي تمجد الاستبداد والديكتاتورية متجاهلة أن المصلحة الوحيدة لشرعنة الإحتلال لم تكن أبدا تحقيقا لمصالح الشعب الإماراتي بل تثبيتا للمصلحة الفردانية لشخص الحاكم المتوجل من مهبة السقوط عن العرش بما تشكله حرية الشعوب من تهديد مباشر.
العالم ليس جزرا متنافرة حتى تتحجج السيدة حدة بحرية الإمارات في التطبيع لأن الغاية الحقيقية والتي يحققها مباشرة هذا المقال كماوهو الحدث هو نمذجة التطبيع وشرعنة الاحتلال وجر المنطقة إلى تصفية قضية فلسطين والإرتماء الكامل في أحضان المشروع الصهيوني المهدد للأمن القومي للمنطقة بأجملها.
إن التهليل بإمكانية إلتحاق دول عربية أخرى بهدف رسم صورة بائسة بأن الواقع العربي الإسلامي الحقيقي تمثله هذه الدول المسروقة لكسر المكنة النفسية وجعل التطبيع ضرورة واقع وإكراه مرحلة هو إعلان عن الرغبات المفخخة لهذه القوارض الثقافية التي تعتبر نفسها وكيلة عن الشعوب مقررة عنها عارفة بمصلحتها أكثر منها، متناسية أن التطبيع لازال يعتبر خيانة وجريمة حتى لتلك الدول المحافظة على السرية ومع أن هذه الدولة ليست الأولى في سلوك هذا المسار وفق توصيف الكاتبة (إنقاصا من حجم الخيانة وتهديئًا للغضب الكبير للعالم الشريف) إلا أن الكل يعرف المٱل المخزي الذي ٱلت إليهه تلك الدول المطبعة من ردة في الحريات وانهيار اقتصادي وتشظي مجتمعي وهشاشة مؤسسات الدولة والأسر السياسي عند القوى الدولية والمؤسسات النقدية نتيجة الديون القاهرة، محققة بذلك الصورة الحقيقة للوقوف مع هذا الكيان وخدمة مصالحه!
أتريد حدة أن تخبرنا أن المصالح أهم من القيم والثوابت حتى تتخلى الجزائر عن مواقفها وقيمها وثوابتها من أجل مصلحة تراها فقط حدة ومن يشبهها. ثم أتريد حدة أن تخبرنا أن مصلحة الجزائر حقيقة تكون في مناقضة مبادئ بيان أول نوفمبر المجيد عبر الوقوف في صف دولة محتلة وخيانة تركة الشهداء وقدح صورة النموذج الثوري الملهم؟ أتريد حدة أن تخبرنا أن مصلحة الجزائر تكون في وضع يدها في يد احتلال استيطاني مجرم ينتهك حقوق الإنسان ويقتل الأطفال ويصادر برائتهم متناسية حجم الألم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني والذي لم يختلف بتاتا عن ذاكرة أليمة للشعب الجزائري الذي واجه نفس الطبيعة الاحتلالية الإستيطانية المقيتة للاحتلال الفرنسي؟!
أتريد أن تخبرنا حدة أن مصلحة الجزائر وشعبها الأصيل المتشبث بدينه ومقدساته تكون في خيانة القران الكريم الذي أمر الأمة بالحفاظ على أمانة رسول الله صلى عليه وسلم في ولاية المسجد الأقصى والعمل لتحقيق الوعد الرباني لدخوله محررين كما دخله الصحابة أول مرة بتخطيط نبوي؟!
أتريد أن تخبرنا أن مصلحة الجزائر تكون في خيانة الموروث الحضاري الثقافي المجتمعي الذي أنتجه أجدادنا عبر كرونولوجية الرباط والارتباط المستمر غير المنقطع ببيت المقدس وأرض فلسطين بما أنتج سيكولوجية ثابتة ورابطة إيمانية عقدية لم تقدر العواصف والايام والجرائم المتكررة قطعها ومحوها حتى يأتي مقال مغمور ويحاول محوه؟
أتريدنا أن نخون الأيادي التي مدت لأجدادنا والأحضان التي استقبلتهم وقت المقاومة والثروات الشعبية بعد النفي الإجباري الذي فرضته فرنسا والذي اختارت فيه العائلات الجزائرية مجاورة المسجد الاقصى وإقامة القرى الجزائرية في فلسطين التي لازالت شامخة معبرة عن الترابط الأخوي العميق وعن ارتباط اهل الجزائر بالأرض؟
أتريد الكاتبة أن تخبرنا أنها أحرص على مصلحة الجزائر من الامام عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الابراهيمي والمجاهد مصالي الحاج والشيخ العربي التبسي والاستاذ فرحات عباس الذين تحت الاحتلال الفرنسي» بل جابهوا المشروع الصهيوني في الجزائر ابتداءا وقدموا المال والجهد للحفاظ على أمانة فلسطين وأسسوا لها المبادرات والمؤسسات والصناديق الاغاثية في وقت كان فيه الشعب الجزائري يمر بأزمة فقر وجوع في عام البون؟! لم لم يستخدم أولئك مصطلح «لن نكون أكثر فلسطنة من الفلسطينيين ؟!
هل تعرف هي مصلحة الجزائر افضل من الرئيس بومدين وشادلي بن جديد (رغم تغير السياق والاحداث وسوءها) الذي رفض التطبيع في الوقت الذي طبعت تلك الدول التي ذكرتها في مقالها؟!
في الأخير قد يطول الرد على مقال يظن كاتبه أن القيم والثوابت والأخلاق يمكن التنازل عنها لمصلحة واهمة واهية تحت مظلة التواصل الإنساني وكأن الشعب المقهور الظلوم المكلوم ليس إنسانا بل قد يكون هلى هيئة إنسان خلق من نطف حصان ليخدم شعب الله المختار مثل يراه الصهاينة اليهود في تلموذهم، لكني أريد التركيز على فكرة مركزية أن من يظن أن قضية فلسطين تخص الفلسطينين يجهل بغباء أو ضعف إطلاع أو يتجاهل بقصد أن قضية فلسطين لم ولن تكون قضية فلسطينية بحتة بل مركز صراع وتدافع بين الحق والباطل، وأن المشروع الصهيوني لم يكن أبدا إحتلالا لرقعة جغرافية أسس فيها كيان زائلا بل أخطبوط مصالح عالمي تستمر مصالحه ويمتد بقاءه بمسر مصالح الدول العربية والإسلامية وأن أي خيبة أو خذلان لأهل فلسطين سيكون إرتداداتها على أمن أوطاننا لأن بقاء واستمارا الكيان مبنية عن ضعفنا الاستراتيجي الاقليمي …..
قد لا أدخل في الرد على تشويه المقاومة وجعل ذلك عذرا لتبرير قبح ذنب شرعنة الاحتلال لكن أقول أن قضية فلسطين وإن تخلى عنها اهل فلسطين (وهم الذين يقدمون ابنائهم ودمائهم واشلائهم للحفاظ عنها) فلن نتخلى عنها أبدا!

عن المحرر

شاهد أيضاً

التطبيع أم التطويع؟!

أ. مرزوق خنشالي / “التطبيع”: هو رد الشيء إلى طبيعته بعد أن خرج عليها… تطبيع …