الرئيسية | اتجاهات | الــغــلــــــو يــفــســد كـــل جــمـيــــل

الــغــلــــــو يــفــســد كـــل جــمـيــــل

عبد العزيز كحيل /

الغلوّ هو الزيادة عن الحدّ وتجاوزه، يشير إلى المبالغة والتطرف، وهو ضد الاعتدال والتوازن، يحدث في كل الفضاءات والأعمال الإنسانية حتى التديّن، وقد ذمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم:
-قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ – المائدة77.
-يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ- النساء 171.
-يا أيُّها النَّاسُ إيَّاكم والغُلوَّ في الدِّينِ فإنَّهُ أهْلَكَ من كانَ قبلَكُمُ الغلوُّ في الدِّينِ- ابن ماجة
إذا نظرنا في الدنيا حولنا وجدنا ان الله تعالى خلق كل شيء جميلا، الأشياء المادية والمعنوية (كالمشاعر) جميلة وإنما تفسد وتفقد رونقها بسبب الغلوّ فيها أي بسبب تصرف الانسان.
-السكّر، الملح، الدسم عناصر ضرورية لتغذية جسم الإنسان ومنحها الطعم والذوق، يفقد الطعان نكهتع بدونها، لكن الإكثار منها يسبب أمراضا خطيرة، هكذا يفسد الغلوّ الأشياء الجميلة، فهو يجعل من الشجاعة تهوّرا ومن الصراحة وقاحة ومن الجُبن La lâcheté حكمة (وما هو بحكمة إطلاقا)…
– العقل نعمة كبرى والغلوّ فيه يؤدي إلى الإلحاد أو الاستهانة بالوحي، وهذا الغلوّ خلْف لادينية الحضارة الغربية وكونها عوراء تنظر بعين واحدة، عرجاء تمشي على قدم واحدة، وخلف انحراف مثقفين ينتسبون للإسلام.
– الترفيه ضروري للحياة فإذا دخله الغلوّ فتح باب العبث وعيشة اللغو والتفاهة، والتهم الأموال الطائلة التي من المفروض ان ترفع المستوى المعيشي وتوفر البنى التحتية والمرافق الضرورية للحياة.
– للتصوّف السنّي دور فاعل في تهذيب النفوس وتنمية الجانب الروحي وتنقية القلوب وفق منهج التخلية والتحلية لكن الغلوّ فيه يُخرجه عن نسق السنة والجِدّ ويُحيله إلى رهباية وشطحات فكرية وسلوكية يرفضها الشرع، حيث قصر الدين على الأذكار –الشرعية والبدعية – والتسليم للظلمة والمحتلين، وسحب الاسلام من جنبات الحياة ليبقى فقط على مستوى الضمير والممارسات الفكلورية، أي يصبح عائقا في طريق تقدم الأمة ومرتعا لما لا يرضي الله تعالى.
– الاشتغال بأمور العقيدة مقصد نبيل لكن الغلوّ فيه يُخرج المسلمين من العمل إلى الجدل، ويصبح التوحيد -وهو ركن الاسلام الركين – مجرد علم كلام يضرّ ولا ينفع، يمزق الصف المؤمن ولا يجمع الكلمة،كما نرى في واقعنا البئيس.
– الحب والبغض: هما من المشاعر الانسانية الأساسية، وقد أُمرنا بأن نجعلهما في الله، نحب محابه ونبغض مباغضه، فإذا خالطهما الغلوّ انقلبا إلى ضدهما، الغلوّ هو الذي جعل النصارى يؤلهون عيسى بن مريم -عليه السلام -، وجعل الشيعة يكادون يؤلهون أهل البيت -رضي الله عنهم -، وجعل اليهود يصفون المسيح بأقبح الأوصاف، وجعل ابن ملجم «يتقرب» إلى الله بقتل رابع الراشدين، لذلك ورد في الأثر: «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هوما ما عسى ان يكون حبيبك يوما ما».
– وقبل كل هذا الغلوّ مرفوض حتى في عبادة الله كما أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة الثلاثة حين رآهم بالغوا في العبادة إلى درجة الانقطاع عن الدنيا، وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» عَنْ أنسٍ -رَضْيَ اللهُ عنه – قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزْواجِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -، يسْألونَ عن عبادةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا أُخبروا كأنَّهم تَقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -؛ قد غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذنبِه وما تأخَّر؟! قال أحدُهم: أمَّا أنا فأصلِّي الليلَ أبدًا، وقال الآخرُ: وأنا أصومُ الدَّهرَ ولا أُفْطرُ، وقال الآخرُ: وأنا أعتزلُ النِّساءَ فلا أتزوَّجُ أبدًا، فجاء رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – إليهم فقال: «أنتم الذين قُلتُم كذا وكذا؟! أما واللهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأفطرُ، وأصلي وأرْقدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فليس مِنِّي» – متفق عليه.
ومعلوم أن التوازن الميكانيكي -في عالم الفيزيا – يستمر ما لم تخلّ به قوة خارجية، أي النظام قائم في أصله على التوازن، بعيدا عن الغلوّ… فالاعتدال هو الحل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ماذا بقي من الأسرة الجزائرية؟

عبد العزيز كحيل / أما الغرب –وانطلاقا من فرنسا بالضبط لأنها مصدر الشرور الاجتماعية – …