الرئيسية | المرأة و الأسرة | إلام يعود عقم جــــلساتنا النــــــسائيـــــة؟

إلام يعود عقم جــــلساتنا النــــــسائيـــــة؟

أ. أمال السائحي /

جاءت النّصوص في القرآن والسنة المطهرة بالحث على ملازمة الجلساء الصالحين، والتحذير من الجلساء الفاسدين؛ وذلك لما للرفقة والمجالسة من تأثير على الفرد في حياته وسلوكه بصفة عامة.
فإذا كانت الرفقة صالحة فإنّها تقوده إلى الخير وتدله عليه، وإذا كانت سيئة فإنّها ستقوده إلى الشرّ وتدله عليه كذلك.
وقد ضرب نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم – مثلاً لتأثير الرفقة والمجالسة في حياة الإنسان وفكره ومنهجه وسلوكه فيما رواه عنه الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه -، حيث قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ والجَلِيسِ السّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِير، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) متفق عليه).
فماذا نقول اليوم عن جلساتنا الأخوية، أو العائلية، أو في اجتماعاتنا لما تقتضيه الأيام من مناسبات دينية كالأعياد، أو اجتماعية كالأعراس، والتي تضطرك للجلوس مع غيرك من خلق الله، فهل تجد ذلك الجليس الصالح الذي لا تمل من كلماته؟ أو أنك تستفيد وتستزيد من معلوماته؟ أو أنك تحس بالوقت يمضي بسرعة وكأنك جلست ساعة من نهار؟ والأهم أن وقتك لم يذهب سدى، بين كلمات عجاف لا تسمن ولا تغني من جوع..
وقد تصادف في هذه الجلسات: المتعلمة، والمثقفة، والعصامية، والأمية، ولكن هل وجدت الفائدة من جلوسك معهن، وإصغاؤك لهن؟ مما علمناه عن هذه الجلسات النسوية أن الأحاديث فيها في الغالب الأعم تدور حول أطفالهم شقاوة أو مدحا، وحول ما هو جديد وعصري بالنسبة لبائعي الألبسة أو الأحذية وبالأسعار طبعا، تليها أدوات التجميل وآخر ما رأينه أو جربنه، ولا ننسى طبعا البيت وآخر ما استجد من ستائر، أو مطابخ آخر طراز… وهكذا أحاديث عقيمة ليس لها قيمة.
وأسأل نفسي في كل مرة: أهذا ما تهتم به المرأة فقط؟ أهذا هو الشغل الشاغل لها؟ من الجميل أن نتحدث عن كل هذا، ومن الجميل أيضا أن نعرج بالحديث عن آخر كتاب صدر، أو آخر انجازاتنا، أو عن دورات تدريبية شاركنا فيها واستفدنا منها، أو عن أحدث مقالة قرأناها، أو عن كيفية اقتناء مكتبة للطفل، أو كيف نشكل مكتبة للبيت، فالكثير من البيوت لا يوجد فيها ولو كتابا واحدا…
وقد حدث لي أن استوقفتني كلمات جميلة للأستاذة: «هناء الصنيع» في مقالها الذي حمل عنوان: «نساء ملونات» تحاكي واقع جميل حيث تقول فيه: «في الألوان تجدين الأبيض والأسود، وهناك الرمادي مزيج منهما.. كذا في عالم الإنسان، تجدين ألوانا من الأخلاق كثيرة، قد تجبرين على الاحتكاك بأصحابها لظروف لازمة (أقارب، جيران، زميلات دراسة أو عمل، سكن مشترك.) وتضيف قائلة: (لماذا لا يشعر الإنسان أحيانا بأن لونه الأخلاقي بغيض؟.
ربما لأنه نشأ في بيت الأخلاق السيئة عندهم أمر عادي..كأن يكون الأب أو الأم والإخوة أو بعضهم يمارسون الظلم، الكذب، البذاءة، التجسس، في حياتهم اليومية! والأمثلة كثيرة في هذا المضمار. وجعلتني أتساءل فيما بيني وبين نفسي: ألا يمكن أن تكون أحاديثنا في جلساتنا انعكاسا لما تربينا عليه وبقي عالقا فينا؟ أم أن ذلك يعود للألفة والعادة وعجزنا عن التغيير في أنفسنا أو غيرنا قيد أنملة..؟ وقد نطرح سؤالا أكبر وهو: لماذا لا نستطيع أن نغير من مجرى الحديث؟ ألضعف في شخصيتنا؟ أم لأن المجموعة كلها منسجمة مع الموضوع الفلاني؟ ولا تجد من يسمع صوتك أو يتقبل فكرتك؟
كثيرة هي مآسينا التي تعود علينا بالسلبية وضياع الوقت، لإهدار أوقاتنا في أحاديث فارغة لا تسمن ولا تغن من جوع، فكثيرا ما يقوم الإنسان مفلسا من جلساته التي شارك فيها، ناهيك عن الكثير من الأمور التي ضاعت منه، بسبب وقته المهدور في تلك الجلسات.
وإذن علينا أن نعوّد أنفسنا إذا اقتضتنا الظروف أن نحضر بعض هذه الجلسات، أن نتخير من نجالس فيها حتى نغنم ولا نأثم، وحتى نوفق في ذلك لنستفد من تصنيف الإمام ابن القيم الذي قال فيه: ((وقد حصر الإمام ابن القيم أنواع الأصدقاء فقال: «الأصدقاء ثلاثة، الأول: كالغذاء لا بد منه، والثاني: كالدواء يحتاج إليه وقت دون وقت، والثالث: كالداء لا يُحتاج إليه قط»، فالأول هو الجليس الصالح، والثالث هو الجليس السوء، والثاني هو الجليس الذي به بعض صفات السوء ولكن يُرتجى منه الخير)).
وأن نعمل بحكمة الإمام مالك بن دينار في شأن الصحبة وتأثيرها، التي تقول: «إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص مع الفجار».

عن المحرر

شاهد أيضاً

امرأة تجهض أسوأ قوانين العنصرية في أمريكا

منذ نهاية الحرب الأهلية وإجهاضِ العبودية عام 1865، عاشت مناطق عديدة من الولايات المتحدة الأمريكية …