الرئيسية | الحدث | الدكتـور محمــد بــن رضـــــــوان في ذمة الله

الدكتـور محمــد بــن رضـــــــوان في ذمة الله

أ. محمد مصطفى حابس جنيف/سويسرا

فقدت الجزائر صبيحة يوم الاثنين: 03 أوت 2020م، أحد رموز العلم والطب والخلق والدعوة إلى الله، إنه الدكتور امحمد بن رضوان، الطبيب المتمرس، والوزير الأسبق للشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر، عن عمر ناهز (70) سنة، إثر مرض عضال ألزمه الفراش بضعة أشهر. والمرحوم يعد من الرعيل الأول من جيل الصحوة الشبابي الذهبي، الذي التف حول بقايا جيل الحركة الإصلاحية في السبعينات، وقام بدور كبير في نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة، وبناء الوعي الإسلامي الصحيح، وإحياء التدين الصحيح في أوساط النّخبة الجامعية أولاً ثمّ في الأوساط الشعبية ثانياً بعيد الاستقلال، من خلال انخراطه -رحمه الله – مبكراً في مسيرة الصحوة ومشاركته في بنائها” مع كوكبة كبيرة من نخبة الصحوة في الجامعة الجزائرية بالعاصمة خاصة، أمثال المرحوم سي عبد الوهاب حمودة، ود. عباسي مدني، ود. محمد جاب الله، ود. التيجاني بوجلخة، ود. عبد الحميد بن شيكو، ود. رشيد بن عيسى، والشيخ محمد السعيد، ود. أحمد بن محمد، ود. أحمد بوساق. وغيرهم كثر في جامعات وساحات جزائرية أخرى، أمثال الشيخ بن يونس آيت سالم، ود. شرفي الرفاعي، ود. العربي كشاط.. وعشرات بل مئات وآلاف من النّخبة الجامعية الذهبية التي وعت حقيقة نفسها وحقيقة دورها في المجتمع، واستعلت على كثير من الإغراءات، واضطلعت بمهمتها الوطنية بقدر ما تستطيع، وواجهت المد اليساري والليبرالي.الذي كان يمتد في الجامعة وفي المجال الثقافي العام، بحكم التركة الاستعمارية الضخمة التي ورثها مجتمعنا من جهة، وبحكم المد اليساري في العالم من ناحية أخرى في تلك المرحلة من التطور العالمي”، على تعبير المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث في كلمته التأبينية.
لقد شكّل هذا الجيل الذهبي –كما وصف المفكر الجزائري- الصخرة التي تبعثر عليها هذا المد التغريبي في الساحة الجامعية، وانكسرت شوكته. عاش برضوان من راتبه همّه الكتابة والقراءة وتعرف عليه الجمهور المفرنس خاصة في الغرب من خلال حصصه الدينية مع الدكاترة عمار طالبي وسعيد شيبان وكمال شكاط ومسعود بوجنون حفظهم الله.
وهنا أحب أن أقرّ أني لا أدعي صداقة المرحوم كغيري ممن عرفوه أعلاه معرفة جيّدة وعن قرب، ولا أدعي الاحتكاك به والتتلمذ عليه في حلقات مساجد العاصمة كما ذكر بعض معاصريه، ولكنني أذكر أني تعرفت عليه عابرا من بعيد كطبيب من قدماء تلاميذ مالك بن نبي، خاصة في بعض “ملتقيات الفكر الإسلامي”، هذه المدرسة الدعوية التي تربت وتكونت وتعلمت فيها ومنها أجيال الصحوة المباركة، إذ أصبحت هذه الملتقيات معيار صدق أداء الحكومات الجزائرية المتعاقبة وعربون وفاء لثوابتها الوطنية.
وأيضا تعرفت على الدكتور أمحمد بن رضوان، من خلال بعض زملائه ممن درسوا معه في العلوم الطبية من أساتذة وطلبة رواد مسجد جامعة الجزائر المركزية كالدكتور محمد ثابت أول والدكتور لحبيب هدام وصهره الدكتور بن شيكو وغيرهم.
رغم كلّ ذلك ومن خلال هذه الكلمة، لا أحب أن أدخل في صراع وتبرير عن تقييم مساره السياسي ودوافع المرحوم للانضمام لحكومتي سيد أحمد غزالي في ظرف جد عصيب و حساس (18جوان 1991 – 22 فبراير 1992)، ولا أملك حتى أدوات تقييم أدائه فيها وإنجازاته في وزارة الشؤون الدينية التي لم يعمر فيه إلاّ قليلاً، ليأتي بعده الوزير الساسي لعموري.
فتفرغ للدعوى “الدولية” عن طريق برنامجه التلفزي بالفرنسية خاصة، رفقة كوكبة من العلماء والمفكرين، أمثال المرحوم عبد الوهاب حمودة والدكتور سعيد شيبان والدكتور رشيد ميموني ومسعد زيان وغيرهم. فأصبح برنامجه في أوروبا بمثابة الملتقى المفقود مع الفارق طبعا، وكنت أشجع شبابنا في أوروبا لمتابعة هذه الحلقات التنويرية بلغة فرنسية راقية.
يشهد القاصي والداني أن تلك الملتقيات المسماة “ملتقيات التعرّف على الفكر الإسلامي” كانت جامعة متنقلة، تقدّم للمئات ممن يحضرونها من أساتذة وطلبة جامعات وتلاميذ الثانويات، وللآلاف الذين يتابعونها من بعيد، خلاصات الفكر الصحيح، وتعلمّهم الحدّ المطلوب مما يُسمى “الثقافة الذاتية” وهي القدر اللازم مما ينبغي أن لا يجهله كل مسلم ومسلمة من دينه وحضارته وتاريخه، كما تدرّبهم على أصول التحاور والنقاش والجدل أحيانا.
ويمكن أن يشهد على ذلك الألوف ممن “تتلمذوا” وتعلمّوا بشكل أو بآخر في ذلك المنتدى العلمي المعرفي الوارف الظلال، وقد صاروا جميعا، اليوم إطاراتٍ عليا في مواقع متنوعة، في الداخل والخارج، في حقول العلم والفكر، والإدارة والتسيير..
إذ كانت ملتقيات الفكر الإسلامي – بالنسبة لهؤلاء الحضور، كما وصفها استاذنا حسن خليفة – أقرب إلى أن تكون تربّصا علميا ثقافيا مفتوحا مدة أسبوع، يستمعون فيه إلى عشرات المحاضرات والمداخلات، ويستمعون أيضا إلى عشرات المناقشات والتعقيبات عن كلّ محاضرة ومداخلة… محاضرات لذوي العقول الكبيرة الوازنة، وذوي العلم الغزير النافع المتدفق من علماء وأساتذة وخُبراء ومستشارين في الفكر الإسلامي والفكر الإنساني، فيتعلّمون ويتمرّنون، بكل ما يعينهم على صقل ذواتهم وشحذ شخصياتهم وتطوير أنفسهم، وفق ثوابت الوطن.
ينبغي التأكيدُ هنا على أمر أساسي وهو أن تلك الملتقيات كانت كسبا خالصا للجزائر حكومة وشعبا، على أكثر من مستوى، وفي أكثر من مجال، ولنستعرض بعضا من ذلك، مما ذكره الدكتور حسن خليفة- حفظه الله:
ـ خسرت الجزائر، دولة وحكومة وشعبا الكثير بـ”توقيف” تلك الملتقيات الجليلة والجميلة، خسرت الدعاية الإيجابية لنفسها، وخسرت تسويق صورتها الرفيعة المشرقة في خدمة الفكر الإنساني
– خسرت الجزائر ريادة وقيادة فكرية ثقافية على مستوى العالمين الإسلامي والعربي؛ إذ كانت تجتمع فيها مئاتُ العقول الكبيرة العالمة، من أقطار شتى، وكان ذلك يمنحها قوة تأثير هائلة، فتكون قاطرة خير ودولة مبادرات عالمية في فضِّ النزاعات، وحلِّ الخلافات بين الأشقاء والأصدقاء، ويمنحها ـ بفضل الله تعالى أولاـ ثم بفضل تلك النخبة من العلماء وحضورهم الدائم وصداقتهم ومعرفتهم بالجزائر يمنحها السّبق في أن تكون دولة ريادة في بسط النفوذ الناعم على عواصم ودول شقيقة وصديقة
ـ وهناك خسارات أخرى، لو استمرت تلك الملتقيات لتركَّز الفهم الصحيح للإسلام في النفوس والعقول، ونشأت أجيالٌ وأجيال على المعرفة الحقيقية للإسلام من أصوله وأفواه علمائه الأصفياء الراشدين، وما كان ليحدث ما حدث من فتن واحتراب، في العشرية السوداء.
ـ كان في إمكان الجزائر بفضل تلك الملتقيات العالمية الرائدة أن تكون وسيطا ناعما قويا بين الفرقاء المتخالفين. وما يحدث اليوم في العالمين العربي والإسلامي: إيران ـ السعودية ـ دول الخليج ـ العراق، سوريا- اليمن- ليبيا – مصر- … لو حرصت الجزائر على بناء “سمعة” دولية من خلال العلماء لأمكن لها الضغط بالعلماء والشعوب التي تحب العلماء ولحققت الكثير من الكسب في ديار الإسلام…
فانظر إلى هذه الكسوب التي قتلها إيقاف الخير العميم في تلك الملتقيات. وأعظمها خدمة الدين وطلب مرضاة الله تعالى، وهو أعظم ما يقدمه الإنسان فردا وجماعة ودولة لله تعالى سبحانه و تعالى .. ولله الأمر من قبل ومن بعدُ.

عن المحرر

شاهد أيضاً

عالـما الاجتماع علي الكنز و الـمنصف وناس في ذمة الله

أد. مولود عويمر/   لقد فقدت الجزائر وتونس عالمين اجتماعيين معروفين في أسبوع واحد. ففي …