الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | بيت المقدس عاصمة التحول الحضاري (5) / ذرية سيدنا ابراهيم … استحقاق الإمامة وأحقية الولاية

بيت المقدس عاصمة التحول الحضاري (5) / ذرية سيدنا ابراهيم … استحقاق الإمامة وأحقية الولاية

د.كدير مراد /

انتقل سيدنا ابراهيم الخليل عليه السلام عبر الهجرة من ضيق جغرافية الميلاد والدعوة الفردية المجتمعية الكلدانية العراقية إلى شساعة جغرافية الاستخلاف والإمامة العالمية، من فتوة راشدة داعية متحركة صانعة للفعل، مفعول بها، مهددة في وجودها وعدم بلوغ مقصدها وعدم تبليغ رسالتها إلى إمامة رشيدة قائدة للبشرية مبلغة للرسالة العالمية، ناقلة للناس من الظلمات إلى النور، مرشدة لهم نحو الصراط المستقيم، مرسخة قيم الهدى والرحمة والعدل والبركة لدى العالمين، متدافعة مع الاستبداد والاستعباد والفساد.
لقد نال سيدنا ابراهيم شرف النبوة والإمامة انطلاقا من الأرض المباركة التي بارك فيها الله للعالمين، هذه الأرض التي تختص عن سائر مناطق الأرض -بوصف الفليسوف المغربي د.طه عبد الرحمان- كونها ملتقى العوالم، العالم الغيبي والعالم الشهادي، فلا عجب أن ينال سيدنا ابراهيم شرف القيادة الروحية الأخلاقية الرسالية التشريعية (النبوة) المرتبطة بالعالم الغيبي والتكليف الرباني بما يحقق مقام افراد العبودية لله. ويمكن الله له مكانة القيادة السياسية المجتمعية (الإمامة) المرتبطة بالعالم الشهادي والاستخلاف الرباني انطلاقا من بيت المقدس.
أصبح سيدنا ابراهيم انطلاقا من بيت المقدس بخصائصها الرابطة بين عالم الغيب والشهادة إماما للناس بمقتضى تكليف رباني في عالم الشهادة، بعد النجاح في مسار الدعوة وإتمام الوظيفة المختبر فيها. بداية من جهد الاهتداء والدعوة والإصلاح الفردي والمجتمعي مرورا بالتدافع مع الحاكم (النمرود) والثبات عند الابتلاء الأعظم. وكانت كذلك تحميلا لأحقية ولاية المقدسات وتجديد وظيفتها الحضارية انطلاقا من التجديد النفسي العقدي في عالم تصورات المجتمع العالمي وقتها بإصلاح منظومته المعرفية والفكرية الخاطئة حول الله والإنسان والوجود. وتنفيذا لذلك عبر التجديد المادي للمساجد في عالم التصرفات باعادة تشييدها وتجديدها بعد انطماس معالمها.
لقد استلم سيدنا ابراهيم الإرث النبوي وحق ولاية المقدسات عن الأنبياء السابقين وكان أمر الله بتجديد ذلك الموروث الذي تنتجه الفطرة السليمة وفق البعدين الزمني المحدود (الحياة الدنيا) مدة الوظيفة الحضارية الوجودية للإنسان على الأرض، والبعد السرمدي اللامحدود (الحياة الآخرة) مدة استيفاء تحقيق الوظيفة الوجودية ونيل الجزاء. عبر رفع القواعد في المسجد الحرام وتجديد المسجد الأقصى بعد الطوفان وقت سيدنا نوح وقيام الحضارة الإنسانية الثانية ونشأة عالم جديد.
لم تكن وظيفة التجديد العقدي الأخلاقي والمادي والقيادة العالمية للبشرية وظيفة مختصة بسيدنا ابراهيم متوقفة عليه بل هي امتداد للوظيفة الحضارية في تحقيق العبودية لله عبر بوصلة الهداية والهدى المسجد الحرام وبوصلة القيادة والسيادة والريادة المسجد الأقصى المبارك الذي اختص به الله الأنبياء هي ميراث ممتد في البشرية تتوارثه الأجناس والشعوب باختلافها بشرط تحقيق الرشاد والتقوى والصلاح وتحقيق العبودية لله يقودهم فيها العظماء الأتقياء والعلماء الأنقياء ويبذل دون ذلك الشهداء. ويظهر ذلك في دعاء سيدنا ابراهيم لحظة استلام الإمامة بسيران القيادة الأخلاقية الروحية التشريعية العقدية (النبوة والرسالة) والقيادة السياسية المجتمعية الحضارية (الإمامة) في ذريته بشرط الصلاح وانتفاء الظلم إذ يقول تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)
لم ينل سيدنا ابراهيم وذريته شرف استحقاق الإمامة وحق الولاية وذريته بحكم الجنس البشري الذي ينتمون إليه ولم يكن ليكون انتقال شرف الإمامة والولاية إلا من خلال إتمام المهمة الحضارية الوجودية كشرط لاستحقاق الإمامة ونيل أحقية ولاية المقدسات وتجديدها وتلك سنة ربانية ثابتة في التمكين والأمامة يمن الله فيها على عباده المستضعفين بشرط تحقيق العبودية لله فيقول تعالى في محكم التنزيل: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) ويقول تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
لم يكن الوعد الرباني لسيدنا ابراهيم بإمامة العالمين والتمكين على جغرافية الاستخلاف (الأرض) انطلاقا من عاصمة القيادة والإمامة بيت المقدس وانتقال الوعد إلا عبر الذرية الصالحة الوارثة لشرف استحقاق الإمامة وحق الولاية، فلذلك كان حريا بذرية سيدنا ابراهيم أن تسير على درب السلف الوالد النبي الإمام وقبله الأجداد الأنبياء من أجل إتمام الاختبار والفلاح والنجاح فيه تمهيدا للاشتراك في وظيفة التجديد العقدي الديني والمادي واستعادة المقدسات.
ولد لسيدنا ابراهيم ابنان كريمان نالا شرف النبوة والقيادة من بعده من مركزي الهداية والقيادة المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك بعد النجاح في امتحان الاستسلام الكامل لمنهج الله ومراده بما يحقق مقام إفراد العبودية لله، فكان جزاء نجاح سيدنا اسماعيل في اختبار الذبح والاستلام الكامل للأمر الرباني وهو في كامل الحرية والإرادة للاختيار سلوك طريق استحقاق الشراكة في تجديد المسجد الحرام مع والده الممتحن سيدنا ابراهيم وانتقال حق ولايته الى يوم القيامة له هو وذريته بل يشاء الله أن يخرج من صلبه خاتم الأنبياء وإمام المرسلين رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم اذ يقول تعالى : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)
من اللطائف أن ولد الله لسيدنا ابراهيم ولدان ولد أول سيدنا اسماعيل وأراد الله له أن ينال شرف ولاية البيت الأول «المسجد الحرام» وولد ثان سيدنا اسحاق وأراد الله له ولذريته الصالحة حق ولاية المسجد الأقصى المبارك البيت الثاني. وقد شارك سيدنا اسماعيل في تجديد بناء المسجد الأول وقيادة المجتمع الأول في المدينة الناشئة على شرف المسجد الحرام مكة فيقول تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، فكان بذلك انتقال سيدنا اسماعيل انتقالة كبرى بعد النجاح في الامتحان في بيت المقدس جغرافية الاختبار من فتى مهدد بالذبح تسليما بأمر الله إلى نبي مجدد للمسجد الحرام مع أبيه إبراهيم، البيت الذي وضع قواعده جده تحقيقا للوظيفة الحضارية تحقيق العبودية لله والاستخلاف في الأرض وعمارة الكون.
ومن اللافت التأكيد أن الله أراد أن تنال ذرية سيدنا اسماعيل شرف ولاية البيت الحرام الى يوم القيامة وأن تكون تلك الولاية لا على أساس الجنس والنسب بل على أساس العبودية لله وذلك ما تحقق في عهد رسول الله عندما نزع الله شرعية الولاية عن قريش عندما أصبحت قريش تجعل من البيت أداة سياسية واقتصادية واجتماعية للاستعباد والاستبداد والفساد بما يناقض الوظيفة الحضارية والعقدية للبيت الحرام وكان من فضل الله أن ينال رجل من ذرية سيدنا اسماعيل شرف إمامة البيت الحرام وانطلاق الدعوة العالمية الخاتمة من المسجد الحرام كما كانت لسيدنا أدم وسيدنا ابراهيم.
لقد كان تجديد المسجد الحرام الانطلاقة الحقيقية لرسالة سيدنا ابراهيم العالمية ولعلى لعدم بقاء سيدنا ابراهيم في المسجد الحرام وعودته للمسجد الأقصى المبارك دلالة واضحة أن الرسالة العالمية تنطلق من «من» الابتداء (من المسجد الحرام) وتتوجه ب «إلى»الغاية والبوصلة والمقصد (الى المسجد الأقصى). إذ تنطلق الوظيفة الحضارية من بوصلة الهدى والاهتداء المسجد الحرام وتنتقل الى العالمية والتمكين والامامة والشهود الحضاري عبر بوابة بوصلة القيادة والسيادة المسجد الحرام. وكذلك سيكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شرف انطلاق الرسالة العالمية من المسجد الحرام وقيادتها البشرية وانتقالها للعالمية عبر بوابة بيت المقدس وتحرير المسجد الأقصى المبارك سواء لحظة التحرير الايماني لحظة تسلم حق الولاية من الانبياء ليلة الاسراء والمعراج أو لحظة الفتح الحقيقي بدخول الصحابة الفاتحين وعلى رأسهم خليفة رسول الله الفاروق عمر رضي الله عنه.
لقد عاد سيدنا ابراهيم إلى المسجد الأقصى ليمارس وظيفته إماما على البشرية بعدما كان الله قد أكرمه على كبر سنه بفتى آخر سيدنا اسحاق من زوجته العجوز سارة وأراد الله عز وجل أن يكون سيدنا اسحاق واليا على المسجد الأقصى المبارك محافظا عليه حاميا له من الأطماع الاستبدادية الاستعمارية الاحتلالية منطلقا منه لتحقيق وظيفته الحضارية وأن ينتقل ذلك لذريته الأنبياء عليهم السلام من الصالحين لا على أساس الجنس بل على اساس استحقاق شرف الإمامة وحق الولاية بشرط تحقيق العبودية لله وتحقيق الاستخلاف القائم على العدل والرحمة وشيوع الخير في البشرية من الأرض التي بارك الله فيها للعالمين إلى أن استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ولاية المسجد الأقصى المبارك وانتقل ذلك للأمة الجديدة الوليدة الشاهدة على الأمم.
والله أعلم بمراده.

عن المحرر

شاهد أيضاً

بيت المقدس عاصمة التحول الحضاري (4) سيدنــــا إبراهيـــم .. من الفتـــوة الـمغمــورة إلى إمامـــة الـمعمــــــورة

د.كدير مراد / مباشرة بعد البداية الزمنية للوظيفة الحضارية الكبرى للإنسان الأول على جغرافية الأرض، …