الرئيسية | شعاع | متى يستيقظ علماؤنا ودعاتنا وأهل الرأي فينا ؟

متى يستيقظ علماؤنا ودعاتنا وأهل الرأي فينا ؟

يكتبه: حسن خليفة

نثرنا إشارات عابرة في الموضوع السابق مما له علاقة بطرائق العلاج الجديدة المسماة بـ»العلاج بالطاقة»، والطاقة النورانية، والحبل الطاقي، … وهي أنواع وألوان، ويمكن أن نضيف إليها أشكالا أخرى كالعلاج بالأحجار الكريمة وأنواع من التربة، والزهور، والورود، والأبخرة، والتأمل، وفتح الشاكرات السبع،… وما إليها وكل ذلك باسم «الطاقة» ومشتقاتها ، بما في ذلك العلاج بطاقة الحروف والأسماء!!
الناظرالمتابع يجد مالا يقلّ من عشرات من القنوات الفضائية وقنوات اليوتيوب العربية لا شغل لها إلا هذا الأمر، يقوم عليها «دكاترة» و«شيوخ وشيخات» روحانيون وروحانيات، فيهم المعمم الظاهر، وفيهم الشيخ المتخفي، وفيهم الشيخة الروحانية المستترة لا يُسمع إلا صوتها، وفيهم المهندم الأنيق، والآنسة الجميلة محجبة وغير محجبة. يقدم كل واحد منهم نفسه بصفات «مدرب(ة)»، «خبير(ة)»، «استشاري(ة) في الوعي، في الطاقة، في العلاج …
تعددت الأسماء ..أسماء الأشخاص وتنوعت بين رجال ونساء، وتعددت أسماء قنواتهم أو مواقعهم وقنواتهم في اليوتيوب يتابعها عشرات الآلاف..
إن اللافت للنظر في هذه القضية أن الإقبال على ما تقدمه وتقترحه وتطرحه كاسح ورهيب (نتحدث عن المسلمين والمسلمات خاصة)، من كل أنحاء العالم العربي ومن بلدان أوروبا وأمريكا، والإشكال أن هناك من يتطوعون بالقول: إنهم وجدوا حلولا لمشكلاتهم وما أكثرها ، سواء كانت عضوية (أمراض جسدية) وروحانية، أو سوء علاقات زوجية أو غير زوجية ..
لا نحتاج إلى ضرب الأمثلة فهي متوفرة منثورة في كل زاوية، تكفي إطلالة على برامج بعض القنوات وفيديوهاتها لدكاترة وأساتذة ومستشارين وخبراء (في التنمية البشرية ـ والطاقة ـ والعلاج والاستشفاء والتأمل ـ والتنويرـ والوعي ـ …) لتعرف الكمّ الهائل من «المعلمين» والمعلمات الذين يقدّمون محاضرات مجانية ودورات متخصصة (بالأجر) وبثمن كبير عادة.. فدلّ ذلك على أن تلك التدخلات إنما هي لتسويق «السلعة» والخدمات التي يقدمونها للزبائن، ليساعدوهم على تجاوز أزماتهم النفسية والعاطفية والجسدية والروحانية حتى. (وهذا موضوع آخر يحتاج إلى اهتمام خاص).
مرادنا في هذه الكلمة المختصرة هو التساؤل: أين علماؤنا من كل هذا؟ وما هو حكم وموقف الإسلام من كل هذا؟ إنه لا يكفي أن يتحدث شخص أو مجموعة أشخاص عن كذب وسقط هذه الأشكال من التداوي والاستشفاء ويكتفي الآخرون بالصمت؟ هل ينبغي أن ننكسر أمام هذا المدّ الذي يجر الناس إلى الكفر والإثم جرّا؟ والأهم من ذلك ما هو البديل الواجب طرحه مما يقرّه شرع الله تعالى وتعزّزه أشفية القرآن والسنّة؟
لقد جُرب السكوت من قبلُ عن المشعوذين والسحرة وبعض الرقاة الذين لا يتقون الله تعالى ومارسوا كل أنواع الدجل والحرام والغش مع الناس، ووصل الأمر بهم إلى الاعتداء على النسوة وسحرهن وتطليقهن من أزواجهن، والتفريق بينهم، ووصل الأمر إلى الاعتداء الصريح وممارسة الفاحشة، بادعاء أن الجن لا يخرج إلا بهذه الطريقة. فليس السكوت حلاّ وليس التجاهل أو التغافل حلاّ أبدا. لعل واجب من أوكد الواجبات لكثرة المتضررين …
نعم .. نعلم جميعا أن منسوب الشقاء والضنك واليأس يكبر ويزداد ومنسوب الضيق والتبرّم ومنسوب التأزم والاحتقان في العلاقات الأسرية وفي العلاقات العامة يكبر، وفي العلاقات العاطفية يزيد ويتفاقم حينا بعد حينا، ويُثمر بؤسا وجفافا رهيبا بين الأزواج، قدامى وجددا، وهذا يضيّق الخناق على «حلق الحب» في القلبين، ويحرقُ الانسجام، وآثاره ضارة جدا، وقد يقود إلى أمور لا قبل لأحد بها.
لكن لماذا يندفع المندفعون والمندفعات إلى هذه الطرق الخاطئة ويسيرون في هذه السبل السيئة، بحـثا عن الحلول في العلاج بالطاقة، والذبذبات، والهالة، والبعد الخامس، والطاقة الكونية، وتحرير الأعماق، والعقل الباطن، وعمليات الجراحة النفسية الناعمة، … ويهربون إلى دورات تبيع الكلام والأوهام في الغالب … وتقدّم «محتويات مريبة» بأسماء علمية ومعرفية، أو أسماء برّاقة أخرى» هالة الأنوثة»، «التميّز الأنثوي»، «الرجل الخارق»، «التغيير الآن»، «الحرية النفسية» إلخ؟
الجواب بسيط: لم يجدوا البديل ..عند الدعاة والعلماء وأطباء القلوب الرساليين الصادقين.
من جهة ثانية: لا يُنكر أن في ذلك الركام الكبير من العلاجات شيء مما يمكن أن ينفع ويعين على فهم الإنسان لنفسه، أو لبعضه بعضا، ولكن ذلك يحتاج أن يكون بمنهجية علمية شفّافة واضحة مجرّبة، ويحتاج أن يكون مؤصّلا و «إنسانيا» وليس تجاريا دوافعه الأولى والأخيرة الربح. وللأسف فإن بعض الدعاة المشهورين يقيمون دورات في هذه المجالات بـ 300 ألف دينار للفرد الواحد مدتها ثلاثة أيام… وبعضهم أقلّ أو أكثر.. وأما المحترفون (جدا) من غير الدعاة فقد كّونوا ثروات ضخمة ثم اتضح من بعض من رافقهم طويلا أنهم كانوا أقرب إلى الدجّالين لا أكثر ولا أقل.
المشكلة هنا: ما هو دور العلماء والدعاة والرساليين عموما، حتى في مواقع المسؤولية التنفيذية؟ ألا ينبغي تسليط الضوء على هذا اللون من النشاط (الطاقي) والذي أشار بعض العلماء أن فيه من الكفر والشرك والزيغ والانحراف والعدوان على الإيمان وعلى الله ما لا يخفى على مسلم عادي، وأقلّه صرف القلوب عن الله، ونسبة التأثير والشفاء والقوة للطبيعة وتدخّل الكون أو الطاقة الكونية، ولا يذكر الله تعالى إطلاقا في جلساتهم، أو يُذكر من باب «التعمية» على الزبائن.
فمن أين نبدأ؟
إن أصل الإشكال هو ما ينشأ من مشكلات بسيطة في نفوسنا وفي أسرنا، نهملها ونتركها للزمن، فتكبر وتكبر، لا نهتم بها ولا نرعاها، ولا نبذل الجهد الواجب في سقياها ـ بماء المعرفة والتفهم والرفق، وبماء المحبة والمودة، والبذل العطوف والاحتواء والكلام الطيب، والحوار الجميل الدافئ، والبعد عن اللوم وكسر الخاطر، وتطوير فنّ المراعاة والمداراة، وخفض الجناح والتنازل، والتقدير والتوقير، والإحاطة..
مجتمعنا مأزوم على الآخر … وحاجتنا إلى الحوار والإفصـاح والتعبير والحبّ والمودة والدفء كبيـــــــرة للغاية …وذلك جزء أصيل في حلول هذه المشكلات المتراكمة والانحرافات العمـيقة الخطيرة المدمّرة ..فهل نبدأ من حيث يجب أن نبدأ ؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء…. النشاط العام والاحتفالات (تذكير بوجهــة نظر الشيـخ الإبــراهيمي )

يكتبه: حسن خليفة / يزخر تاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ماضيا وحاضرا، بمناشط لا تهدأ …