الرئيسية | اتجاهات | أيـــــن الخــلـــــــــل؟

أيـــــن الخــلـــــــــل؟

عبد العزيز كحيل /

 

إذا كان عندنا مولّد كهربائي نقوم بتشغيله فلا ينتج طاقة، معنى ذلك أن هناك خللا في الجهاز فإذا تبيّن أن الجهاز سليم فمعنى ذلك أن هناك خللا في طريقة تشغيله، إذًا إما الخلل في صلاحية المولد أو هي مشكلة فهم طريقة التشغيل… هذه القاعدة الفيزيائية الصارمة تنطبق على المسلمين في علاقتهم بدينهم، العبادات تُمارس لكن التخلف يسود القلوب والعقول والحياة الاجتماعية، فأين الخلل؟ المولد هو الوحي (القرآن والسنة)، وهو على أحسن ما يُرام، لم يصبه أي خلل لأنه محفوظ في السماء، بقيت قضية الفهم، أي حسن فهم النصوص وحسن تنزيلها وتطبيقها… الصلاة أصبحت لا تنهى عن الفحشاء والمنكر إلاّ قليلا، الصيام لا يثمر التقوى، الحج قلما يغيّر حياة الناس نحو الأفضل، وكذلك تلاوة القرآن والأذكار والأدعية… إنها مشكلة الفعالية المنبثقة عن الفهم الخاطئ الذي تسوّقه القراءة الطقوسية للقرآن والسنة التي تتلخص في التعبد الفردي الآلي الشكلي الذي لا يركز على الثمرات التربوية للعبادة على المستوى الفردي والاجتماعي، وهذا أورث حياتنا تناقضات فجّة أصبحت مع طول الأمد أمرا معتادا نتيجته أننا لا نبصر الخلل ولا نحس بالمشكلة.
لاحظوا: نتأسف لإغلاق المساجد كلّ هذه المدة ومعظم النّاس يتباكون على ذلك ويشتكون ويقدمون تفسيرات تآمرية، فتحُها ليس بأيدينا لكن فتح المصاحف بأيدينا فهل نفتحها؟ ما الذي يمنعنا من ذلك؟ هل في البيوت محافظة على الأوراد؟ أم ينطبق علينا قول الله «وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا»؟…هل تباكينا على المساجد صادق فعلا أم هو رد فعل عاطفي نغطي به تفريطنا في حقوق الله وتقصيرنا في حسن عبادته؟ أرأيتم كيف انزعج النّاس من التمثال العاري الذي تمّ نصبه أمام مسجد بمدينة معسكر؟ كلّ مسلم يجب أن ينزعج من ذلك لكن المشكلة أنهم لا ينزعجون من عري نسائهم بل يتأقلمون معه بأريحية… ورعٌ هناك وتسيّبٌ هنا… ما معنى هذا؟ «الشعب الجزائري كله مسلم» وسبّ الله تعالى يملأ الشوارع، يشترك فيه الكبار والصغار والنساء والرجال حتى غدا أمرا مألوفا في البيوت والشوارع والمؤسسات ما عاد يزعج الأولياء ولا المربين ولا الرأي العام، نتضرع إلى الله أن يرفع عنا الوباء لكن هل رأيتم النّاس تابوا خوفا من لقاء الله؟ هل تاب أصحاب الفساد والمخدرات والمهلوسات؟ هل تاب التجار وهم يغتنمون أي فرصة (مثل العيد) لاحتكار السلع ورفع أسعارها؟ هل تاب الساسة والإعلاميون؟ القرآن الكريم ينبعث من المحلات والسيارات، الحجاج والمعتمرون بالملايين والفساد يكاد يعمّ الجميع، أليس كذلك؟ مرة أخرى: أين الخلل؟
المولّد في حالة جيّدة لكنه ينتج طاقة ضعيفة جداً لا تتناسب مع قوته وصلابة عطائه المفترض لأن المستعملين لم يلتزموا طرق التشغيل كما هي مبينة في الدليل فأنتج ذلك تجارب مشوّهة من التديّن ونماذج مشوهة من المتدينين، فالجهاز لا يكتمل عطاؤه إلاّ بالتزام طرق التشغيل كما بيّنها الخالق سبحانه وتعالى، وأوّل ذلك التناغم بين الجانب الروحي والجانب الدنيوي في الإسلام واستلهام القرآن والسنة ليس كمصدر للصلاح الفردي الروحي وإنمّا كمصدر للفوز الأخروي والسعادة الدنيوية للأفراد والمجتمعات، فإذا تحوّل الإسلام إلى طقوس باردة يلتزمها الفرد من غير أن تجعله يستقيم ويُشع بالنور والخير فهو هنا إسلام مبدّل ونسخة مشوهة للدين القيم الذي بلّغه الرسول -صلى الله عليه وسلم – إسلام أقرب إلى الدروشة أو العلمانية أو الشعائرية البحتة لا ينهى عن فحشاء ولا منكر ولا يُثمر تقوى في القلوب ولا استقامة في الحياة، إسلام يغري أصحابه بالركض العاطفي غير المتوازن نحو الثواب لكن من خلال حركات الركوع والسجود واللسان فقط، بعيدا عن نصوص الوحي ومقاصده في مجالات إقامة الحياة الاسلامية والتفوق العلمي لأداء مهام الخلافة والعمارة التي لا تنفك عن مهمة العبادة، وللقراءة الجزئية البادرة عند بعض الشيوخ دور كبير في تشكيل العقل المسلم المنقطع عن الفاعلية والشمول لأن تركيزهم على قيام الليل وليس قيام النّهار بالعمل الخالص المجدي للأمة، وعلى تفطير الصائم وليس على إغنائه، وعلى تكرار العمرة وليس على توفير الأموال لفروض الكفاية كإنشاء فضائية دعوية وجريدة هادفة ومركز أبحاث ومستشفى للفقراء ودار للأيتام، وبسبب هذا التعليم القاصر تجد من يبذل الأموال الطائلة لتزيين مسجد بالرخام الناعم لكنه يبخل بدريهمات لمشروع ينفع المجتمع، وسوء توظيف المال من سوء فهم الإسلام، وبضياع الأولويات يكاد يضيع الدين ذاته، كما أشارت الآية الكريمة «وبئر معطلة وقصر مشيد»، فمصدر الحياة معطل لم يهبوا لإصلاحه، وبجانبه مظاهر الترف، إنّ المولد يوفر لنا جميع عوامل النهضة والتقدم والنجاح لكن سوء الفهم والتعامل حوّلها إلى عوامل للتأخر والنكوص والخمول، وما زلنا لا نفرق بين العبادة الفاعلة والعبادة الخاملة، أي تلك التي هي صحيحة في شكلها لكنها لم تتجاوز المستوى الطقوسي ولم تجعلنا فاعلين إيجابيين نتحكم في ناصية الحياة الدنيا ليُتاح لنا وراثة الجنة.
على سبيل المثال أنت أيها الغيور على دينك هل ابنك رجل أو ذكر؟ هل ابنتك امرأة أو رجُلة؟ صلاتك وصيامك وحجك وقراءتك للقران وذكرك ونوافلك كل هذا لم يجعلك تتقزز من وجود مخنثين ومسترجلات في بيتك؟ لم تنزعج من تبرج زوجتك؟ تبكي على إغلاق المساجد؟ ما شاء الله… فهل تحرص على الكسب الحلال؟ أنت لا تعاقر الخمر ولا تقع في الفاحشة ولا تلعب القمار والحمد لله لكن ربما تشارك في تزوير الانتخابات كأنّ ذلك ليس أمرا محرما؟ رغم أنه من الكبائر؟ ربما تسير في ركاب الظالمين وتدعو لهم بطول العمر؟ أرأيت الخلل؟ نحن نطالب بالإصلاح، هذا حقنا وواجبنا، والإصلاح السياسي جميل، وأجمل منه إصلاح النّفوس: هل خشعت قلوبنا؟ هل استقامت أخلاقنا، هل أصلحنا ذات بيننا؟ هل نحب بعضنا؟ هل تبنا من ذنوبنا؟ أرأيت الخلل؟.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مريــــم تــهـــزم مــاكــــــرون انـتـقـــــاص فـــرنــســــي ونصــــر ربـــانـــــــي

عبد العزيز كحيل / بعد إساءته للإسلام لم يرد على الرئيس الفرنسي إلا الرئيس رجب …