الرئيسية | قضايا و آراء | لبنـــــان: حتمية ما بعد الطائفية

لبنـــــان: حتمية ما بعد الطائفية

أ. عبد القادر قلاتي /

لم يعد الشعب اللبناني يتحمل العيش في ظلّ دولة فاشلة، يتصدر مجالها السياسيّ ثلّة من السياسيين العابثين بمقدرات البلد، والمرتبطين بدوائر ضيقة في الداخل (الطائفة)، وبأخرى خارجياً (الدول الراعية لهذه الطوائف)، أما الشعب فهو مجبر أن ينتسب إلى هذا الفريق أو ذاك لهذه الاعتبارات الخاطئة، التي أفرزها واقع سياسيّ صُنع على عين المشروع الاستعماري الغربي.
رغم الصراعات التي عرفها لبنان منذ استقلاله عام 1943م جراء الانقسام الطائفي، إلاّ أنّ ثقافة الطائفة مازالت تحكم هذا البلد وتدفع به نحو المزيد من الانقسام والتشظي، حتى تحوّل مع مرور الوقت إلى ساحة مفتوحة على جملة من التناقضات السياسية والفكرية وحتى الاجتماعية والثقافية، وكأنّ هذا البلد الصغير يشكّل مجموعة من البلدان في جغرافيا صغيرة اسمها لبنان، فلبنان الثقافة والفكر والإبداع والإعلام وصناعة الكتاب، كما أنه لبنان المقاومة والممانعة وتجمع حركات التحرر الوطني، ولا ننسى أنه –أيضاً – بلد الفن والسياحة والجمال، وإن كانت هذه التناقضات -في عمومها – تشكل حالة إثراء ودعم لمخزون البلد التاريخي والثقافي، وتعطي انطباعاً أولياً أنّ بلداً بهذا الثراء والتعدد، يجب أن يكون نموذجاً يحتذى به في العالم أجمع، لكن الواقع غير ذلك تماماً، فالانقسام السياسي الواضح، الذي تُغَذِّيه الطائفية والولاءات الخارجية، غطّى على ذلك الثراء وجعل الحياة في هذا البلد الجميل مستحيلة مع تفاقم هذا الوضع، دون أن ننسى الوضع الاقتصادي المزري الذي حوّل حياة الإنسان اللبناني البسيط إلى جـحيم، بينما يعيش السياسيّ اللبناني حياة بذخ وترف لا يحلم به السياسيّ في البلدان المتقدمة، فالمساعدات التي تقدمها بعض الدول لهذا البلد، لا ترجع بالنّفع على الفرد اللبناني البسيط، بل تتحوّل مباشرة إلى جيوب هذا السياسيّ أو ذاك حسب مصدر هذه المساعدات، والغرب وخصوصًا فرنسا، وكذلك الدول الأخرى التي تدعم طوائفها مثل السعودية (السنة) وإيران (الشيعة)، يدركون ذلك، لكنهم يواصلون دعم من يخدم سياساتهم في لبنان، ولا يعنيهم الشعب من قريب أو بعيد، وعند كلّ أزمة يذهبون إلى لبنان لإعادة الأوضاع إلى ما هي عليه، حفاظاً على مصالحهم ومصالح ممثليهم.
لم يعد النموذج اللبناني صالحا لإدارة بلد مهم كلبنان، فالواقع يستدعي مرحلة جديدة تفرض حتمية ما بعد الطائفية كمخرج نهائي للحالة اللبنانية، فلبنان تزخر بالطاقات العلمية والفكرية والسياسية التي تملك من القدرات ما يؤهلها لقيادة هذا البلد المهم في الجغرافيا العربية، ولعلّ المظاهرات التي شهدتها المدن اللبنانية في الشهور الأخيرة -قبل ظهور وباء كورونا – كانت صريحة في مطالبها بحتمية تجاوز النموذج السياسيّ في شكله الحالي، والدعوة إلى دولة مدنية ديمقراطية خارج الأطر التقليدية التي عرفها لبنان منذ استقلاله الوطني، ومع تزايد هذه المطالب، لابد من السير نحو هذا الخيار، حتى تستقر لبنان سياسياً واقتصاياً.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …