الرئيسية | كلمة حق | القابلية للاستعمار مرض اجتماعي سياسي ووباء

القابلية للاستعمار مرض اجتماعي سياسي ووباء

أ د. عمار طالبي /

فوجئنا بجماعة تنادي بعودة الاستعمار الفرنسي وانتدابه ليحكم لبنان ويخلصها مما تعانيه، إنها صرخة ناشئة عن الفساد المتفشي تفشيا أنكى وأمرّ من تفشي الوباء، فالوباء عادة وقته قصير، وينتهي باختراع دواء ينهي وجوده وفساده للأنفس والأجساد، لكن مرض القابلية للاستعمار يطول أمده، ويمتد وباؤه لقرون.
بل أكثر من ذلك أنه ينادي بصرخات مدوية اليوم فلئن كان هذا المرض صامتا في القديم حتى جاءت صرخة المقاومة، والجهاد، فإنه اليوم لا يخفى ولا يصمت بل يصرخ، ويتظاهر أصحابه في الشوارع ببيروت المنكوبة، هي منكوبة من قبل إلا أن هذا الانفجار، وهذا الزلزال المدمّر أعلن عن مدى هذا الفساد، والإهمال وعن المافياوية المترسخة في المرفأ، التي خزّنت فيه المافيا البحرية ما يخرّب البلد، ويقضي على الوالد وما ولد من السكان في بيوتهم ومتاجرهم، فتطايرت النوافذ والأبواب بزجاجها وملأت الشوارع، وقتلت وجرحت، ودمّرت ما أمكن لها أن تدمّر.
إنه زلزال الفساد، وليس مجرد انفجار المواد المخزونة، خُزّن الفساد كله في صورة هذه المواد، وبقطع النظر عن طبيعة هذه المواد، وعن سبب تفجيرها، ومن قام بهذا التفجير عن بُعد أو عن قرب، فإن الفساد العام في هذا الحكم الطائفي المافياوي، وهذا الاختراق لكل فئات المخابرات في العالم لهذه البلد الصغير، وتحريك من انساق إليها ممن فسدت ضمائرهم، وخانت وطنهم وأهلهم، ومن الذين كانوا يساندون الصهاينة، وينضمون إلى جيشها ليقتحم هذا الوطن، ومنهم فئات سياسية، وأحزاب ما تزال تحكم هذا البلد، وتتكلم بلا حياء، وكأن شيئا لم يحدث من قبل من تعاونها مع الصهاينة.
فقد الشعب اللبناني ثقته في النخب السياسية التي تتقاسم الاقتصاد، تتحكم في المصارف، وتلجأ إلى الخارج إذا لزم الأمر.
إن هذه الظاهرة ليست قاصرة على لبنان بل إنها ظاهرة عامة في العالم الإسلامي إلا من رحم ربك، فقد أصابت ماليزيا نفسها التي كنا نظن أنها بريئة من الفساد، وأنها ناهضة ومتقدمة بفضل بعض قادتها المخلصين مثل محمد مهاتير وصحبه.
إن الظلم، وتجييش المخابرات والجيش والشرطة لقهر الشعوب، واغتيال أي معارض، وقتل من يقول كلمة حق، إن في الداخل، وإن في الخارج والفساد المالي، والأخلاقي، وتجنيد الشيوخ الفاسدين لتأييد الظلم والفساد، ومن تجرأ منهم بقول كلمة حق سجن وعذّب أو قتل.
ما دام هذا الوضع قائما فإن التخلف يصعب اقتلاعه، والتخلص منه، ويجد هؤلاء الظلمة مرتعا خصبا، ومجالا واسعا لتدمير أي تقدم وأية دعوة إلى حرية الناس، والشورى، والنقد الاجتماعي والسياسي، وهو ضرورة اليوم لا محيد عنها ولذلك فلا تيأس فإن عصرنا عصر الشعوب والإعلام بمختلف وسائله.
وها هي تونس تحاول جاهدة أن تلج عالم الديمقراطية، والحرية، وتجد هذه المحاولة صعابا، وعراقيل، وجراثيم القابلية للاستعمار وبيع الضمائر لدولة أو أخرى، وما وقع في البرلمان التونسي يشير إلى هذه الظاهرة، ولكن حصانة رئيس البرلمان، وهدوءه وصبره حال دون تلك العريضة المسمومة، وتحقيق أهدافها، وكان رئيس الدولة حاسما في هذا الأمر وعيّن رئيس حكومة من غير من اقترحته الأحزاب، وهذه خطوة لعلها تؤتي ثمارها وتنهي مشاغبات أولئك المهرجين في البرلمان من النساء، وأشباه الرجال.
فلتكن تونس نموذجا للخلاص من القابلية للاستعمار وجراثيمه ووبائه، الذي لا دواء له إلا الإصرار على حرية القول، والكلمة، واستقلال القرار، وترسيخ السيادة، سيادة الشعب والدولة.
ندعو الله أن يوفق تونس العزيزة وأن يجعلها في طليعة الحرية في زماننا، زمن الوباء السياسي، والوباء الشيطاني.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل أمريكا آيلة إلى الانقسام؟

أ د. عمار طالبي/ يبدو من تصرف الرئيس الأمريكي من التشكيك في الانتخابات، إذا طرأ …