الرئيسية | وراء الأحداث | لبنــــان بيــن فــاجـعـة الانفجـــار ونـكبــة السياسية !

لبنــــان بيــن فــاجـعـة الانفجـــار ونـكبــة السياسية !

أ. عبد الحميد عبدوس /

مازال لبنان يعاني الصدمة، ومازالت بيروت تلملم جراحها، وتسعى للخروج من فاجعتها بعد أيام من الكارثة التدميرية التي أغرقتها في طوفان من النار والدمار. انفجار هائل قدره بعض الخبراء بعشر قنبلة هيروشيما الذي يعد أقوى انفجار عرفته الإنسانية والذي حلت ذكراه الخامسة والسبعون هذا العام بعد يومين فقط من انفجار بيروت، الانفجار الذي وقع بمرفأ بيروت مساء الثلاثاء 4 أوت 2020 حول عاصمة لبنان مدينة الثقافة والفن والجمال والأنوار إلى ركام من الغبار وشظايا الزجاج وبقايا العمارات المنهارة والمحلات المدمرة وهياكل السيارات المحترقة والجثث الممزقة والأجساد المجروحة النازفة. مأساة يصعب وصفها، ولا تكفي الكلمات للإحاطة بشاعتها.
السلطات اللبنانية اعتبرت بيروت مدينة منكوبة، وقالت إن الانفجار نتج عن حريق اندلع بمستودع في العنبر رقم 12 بمرفأ العاصمة تخزن فيه منذ 2014 حوالي 2750 طناً من نيترات الأمونيوم، ووفق بعض المصادر فإن المادة القابلة للانفجار كانت مخزنة في المرفأ، بعد مصادرتها من قبل القضاء اللبناني من سفينة روسية كانت متجهة إلى ميناء في دولة موزمبيق. انفجار هذا الكم الهائل من مادة نيترات الأمونيوم أسفر عن مقتل أزيد من 150شخصا وجرح أكثر من 5000 مصاب، وتدميّر حوالي8000 منزل وتشرّيد 300 ألف شخص، ومازالت فرق البحث والإنقاذ بعد أربعة أيام من وقوع الكارثة تبحث عن المفقودين والمزيد من ضحايا الانفجار.
وما زاد الطين بلة والمشهد إيلاما في هذه الفاجعة التي حلت بلبنان أن الانفجار حدث في ظروف أزمة اقتصاديّة خانقة، وتسارع انهيار العملة اللبنانية، وانتشار جائحة قاتلة بسبب فيروس كورونا المستجد ( كوفيد 19) في ظل هشاشة القطاع الصحي في لبنان، وكل ذلك أدى إلى تصاعد نقمة شعبيّة على كلّ الطبقة السياسيّة التي يتّهمها المواطنون بالعجز والفساد.
أمام هذا الوضع الكارثي وحجم الخسائر الفادحة الناتجة عن انفجار ميناء بيروت، سارعت العديد من دول العالم من الشرق والغرب وعلى رأسها الدول العربية والإسلامية إلى تقديم مساعدات إغاثية لإعانة لبنان على النهوض من نكبته الكبيرة، وقد هبت الجزائر كعادتها في التضامن مع أشقائها والمسارعة إلى مساعدتهم في الأزمات والمحن بكل ما تستطيع، ورغم ظروفها الصعبة بادرت بإرسال شحنات متعددة من الهبات قدرت بأزيد من 200 طن من الأدوية والاغذية والخيم والأفرشة والأغطية ومواد البناء أرسلت إلى لبنان الشقيق عن طريق الجو والبحر في أربعة طائرات عسكرية وباخرة.
وكان رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون قد أمر بعد يوم واحد من وقوع الكارثة بتقديم مساعدة فورية للشعب اللبناني بعد مكالمة هاتفية مع نظيره اللبناني العماد ميشال عون، كما قدم له فيها تعازي الشعب الجزائري لشقيقه اللبناني، كما أجرى الفريق السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي اتصالا هاتفيا مع الفريق الأول جوزيف عون، قائد الجيش اللبناني أكد له فيها استعداد الجيش الوطني الشعبي لتقديم المساعدات الضرورية.
الرئيس ماكرون وعقلية الوصاية
كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول رئيس دولة أجنبي يصل إلى بيروت لتقديم مساعدات الدولة الفرنسية إلى لبنان، ولكن زيارة الرئيس الفرنسي لم تخل من تصرفات وتصريحات تنم عن بقايا النزعة الاستعمارية والعقلية الوصائية التي تجلت في تعامل الرئيس الفرنسي مع مستقبليه من اللبنانيين سواء أكانوا رسميين أو شعبيين.. ففي شارع الجميّزة ببيروت أصرّ الرئيس الفرنسي، على أخذ حمام شعبي وسط مستقبليه والاستماع لمطالب المُواطنين اللبنانيين ومعانقة اللبنانيات المعجبات به، وكأنه في حملة انتخابية، مصرحا: «لست هنا لتقديم الدعم للحكومة أو للنظام بل جئت لمساعدة الشعب اللبناني، أنا هنا لأعبّر عن تضامني معكم وجئت لأوفّر لكم الطعام والأدوية، وجئت لأبحث بموضوع الفساد وأريد مثلكم شعباً حُرّاً ومُستقلّاً»، وأضاف «المساعدات جاهزة ولكنها تنتظر الاصلاحات»، وطالب على غرار بعض تشكيلات المعارضة اللبنانية بلجنة تحقيق دولية رغم إعلان السلطات اللبنانية رفض القبول بلجنة تحقيق دولية وتكليف لجنة وطنية لبنانية للتحقيق الفوري في أسباب الانفجار، كما طالب الرئيس الفرنسي بتغيير النظام السياسي في لبنان. هذا التصرف الخارج عن الأعراف الدبلوماسية المألوفة من طرف إيمانويل ماكرون دفع حتى السياسيين من المعارضة الفرنسية إلى تحذيره من التدخل في الشؤون الداخلية للبنان مذكرين الرئيس ماكرون أن لبنان لم يعد محمية فرنسية.
ولكن يجب الإقرار بأن تصرف الرئيس الفرنسي في لبنان لم يكن نابعا من فراغ أومن وحي الصدفة والمجازفة السياسية، لأن الحنين إلى الوصاية الفرنسية مازال راسخا في قلوب بعض اللبنانيين المتأثرين بالثقافة الفرنسية، إذ خلال جولة الرئيس ماكرون في الأشرفيّة، (ذي الأغلبية المسيحية) هتف بعض اللبنانيّين هُناك: “تحيا فرنسا” باللغة الفرنسيّة، وهي الهتافات التي ترافقت مع دعوات على المنصّات بعودة الانتداب الفرنسي، كما أقدم أكثر من 36 ألف من اللبنانيين على التوقيع على عريضة تطالب بعودة الاحتلال الفرنسي للبنان، وفي موقف مثير للدهشة والاستهجان، طالبت سيدة لبنانية من الرئيس الفرنسي ماكرون عدم تسليم المساعدات بشكل مباشر إلى الحكومة اللبنانية «الفاسدة» بحسب وصفها، وقد تجاوب الرئيس الفرنسي معها، إذ أكد لها أن المساعدات لن تمنح للفاسدين.
وهكذا، فبعد 74 سنة من الانسحاب الكامل للقوّات الفرنسيّة المحتلة من أرض لبنان في عام 1946، وبعد 77سنة من استقلال لبنان ونهاية الوصاية الفرنسية عام 1943 والتي دامت 23 سنة (من 1920إلى 1943) وبعد تضحيات الشرفاء من المقاومين والمجاهدين اللبنانيين من أجل الاستقلال، يأتي من يطالب ببساطة بإلغاء استقلال لبنان وعودة التبعية والاستعمار من جديد، صحيح أن الفساد قد وصل إلى حد جعل اللبنانيين يخرجون في مظاهرات ضخمة للمطالبة بالإصلاح ولكن الأوضاع الحياتية الصعبة لفئات واسعة من اللبنانيين، واحتجاج الكثير من اللبنانيين على طبيعة النظام الطائفي ،كل ذلك لا يبرر أبدا تحدي مشاعر الكرامة الوطنية اللبنانية والمطالبة بعودة الاستعمار الفرنسي.
ومن الجانب الآخر كان الأجدر بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي جاء لمساعدة لبنان على تجاوز محنته أن يدعو اللبنانيين إلى التضامن، ويشجعهم على تحوّيل الكارثة إلى فرصة لبناء دولة عادلة تجمع جميع الطوائف والحساسيات السياسية، اللبنانية، بدل تحريض اللبنانيين، وتشجيع نزعات الانقسام والانتقام بين فرقاء الازمة اللبنانية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

في ذكرى رحيل الاستاذ نوار جدواني عاشق اللغة العربية!

أ. عبد الحميد عبدوس/ مرت يوم الأربعاء الماضي (4 نوفمبر) الذكرى الخامسة لرحيل المجاهد والباحث …