الرئيسية | رأي | الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (6)

الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (6)

د. موسى عبد اللاوي *

ومن فوائد هذا الدرس الذي لاينسى
الفائدة الأولى:
أنها عرفتني قدر النعمة التي كنت فيها, والحمد لله على كل حال، إذ النعم منسيّة فإذا فقدت عُرفت، فالاجتهاد في الحفاظ على النعم بطاعة الله وإتقان العمل، وسد الثغرات وإصلاح النية. كل ذلك من الفوائد المستقاة التي وقفت عليها كآيات، ودروس لي في الحياة.
وقد قال الشاعر:
رحمــــــة الله بدت في كونه***فاحمـــــــد الله على نعمتــــه
كل رزق نلته من فضله***ليس ما يحوي الفتى من عزمه
لا، ولا ما فات يوماً بالكسلْ.
الفائدة الثانية
أنها تخرج الطاقات الكامنة فتظهر قدرة الإنسان الحقيقية،
وتعوده الجد بعد أن تعوّد الكسل، والنشاط بعد الخمول،
والعمل لدين الله بعد أن أخذت الدنيا مجامع قلبه…
فمن المحن تأتي المنح.
الفائدة الثالثة:
أنها تعرف الإنسان حقيقة الدنيا، وأنها بين لحظة وأخرى
تنقلب على صاحبها، وتغيّر أدوارها، وتستبدل روادها، فتتغير بذلك حساباتها وقوانينها!!
أجل
زهرة الدنيا لها منطقهـــا***تبتغــــــــــي الذل لمن يطلبها
انقلاب عمّ في ميزنهــــــــــا***واتـــــــرك الدنيا فمن عادتها
تخفضُ العالي وتُعْلي مَنْ سفلْ ***قـــــــد بدا الإغراء في زينتها

كم أُناسٍ همُ في قبضتهـــــا***قد تُذيقُ البأس مَن يسعى لهـــا

عيشة الزاهد في تحصيلها***عيشة الجاهد بل هذا أذل
الفائدة الرابعة
أنها تكفر الذنوب وتقرب من رب العباد
وفي الحديث: «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض ولا خطيئة له».
الفائدة الخامسة:
أنها تكسر القلب لله، وتزيل الكبر من النفس فيعود العبد ذليلاً بين يدى الله تعالى وحينئذٍ يعود القلب قريباً من الله، بعيداً عن الشيطان.
أنها تجعل بين الإنسان وبين الخطأ والزلل حاجزاً نفسياً عميقاً، فلا يقع فيه مرة أخرى وتجعله يتخذ بعده سبيلا يرفعه ولا يخفضه، يعزه ولا يذله.
الفائدة السادسة:
أن الإنسان يحب من كان سببا في تنبيهه من غفلته، فلولا أن الله سخره لبقي التراب على السطح ولظل المعدن مدفوناً في الشوائب فالابتلاء سنة الحياة، وقد تعرض بالذكر والتبيين شيخي العلامة محمد الغزالي في كتابه حلق المسلم قائلا:(قد أكد الله أن ابتلاء الناس لا محيص عنه, حتى يأخذوا أهبتهم للنوازل المتوقعة، فلا تذهلهم المفاجآت ويضرعوا لها (أي يذلوا لها) قال الله تعالى: «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلُوَ أخباركم»[سورة محمد: الأية 31] وذلك على حدِّ قول الشاعر:
عرفنا الليالي قبل ما نزلت بنا***فلما دهتنا لم تزدنا بها علما!
ولاشك – يواصل شيخي محمد الغزالي -رحمه الله – قائلا: أن لقاء الأحداث ببصيرة مستنيرة واستعداد كامل أجدى على الإنسان وأدنى إلى إحكام شؤونه.- «كتاب خلق المسلم»
قال الله تعالى: «وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور» [سورة آل عمران الأية: 186] وفي موضع أخر من باب الصبر يقول شيخي محمد الغزالي رحمه الله- (الصبر من عناصر الرجولة الناضجة والبطولة الفارعة, فإن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل، والمرء إذا كان لديه متاع ثقيل يريد نقله، لم يستأجر له أطفالاً أو مرضى أو خوارين، إنما ينتقي له ذوي الكواهل الصلبة، والمناكب الشداد كذلك الحياة، لا ينهض برسالتها الكبرى, ولا ينقلها من طور إلى طور إلا رجال عمالقة وأبطال صابرون..
ومن ثم كان نصيب القادة من العناء والبلاء مكافئا لما أتوا من مواهب، ولِما أدوا من أعمال.
سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الناسُ على قدر دينهم، فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه، وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة) [رواه ابن حبان]. نفس المرجع.
وفي «عدة الصابرين» لابن قيم الجوزية قال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن جعفر بن مهران قال: قالت امرأة من قريش:
أما والذي لا خلد إلا وجهه…***ومن ليس في العزّ المنيع له كفو
لئن كان بدء الصبر مرّاً مذاقه…***لقد يُجنى من غِبَّتِهِ الثمر الحلو
قال: وأنشدني عمر بن بُكير:
صبرت مكان الصبر خيرَ مَغَبةٍ..***وهـــل جَزَعٌ يُجدي عَلَيَّ فَأجوَعُ
مَلَكْتُ دموعَ العين حتى رَدَدتُها..***إلى ناظري فالعينُ في القلبِ تَدْمَعُ

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (10)

د. موسى عبد اللاوي * / أيها المبتلى اعلم أن الحياة كلها ابتلاء واختبار كما …