الرئيسية | رأي | شيــــخ اللســـانيـــات العـــربـيـــة الأستـاذ الدكتــــور عبـد الرحمــن الحــاج صــالـــــح

شيــــخ اللســـانيـــات العـــربـيـــة الأستـاذ الدكتــــور عبـد الرحمــن الحــاج صــالـــــح

د. حسان الطيان*/

جرت سنةٌ حميدة في الجامعات العريقة باستضافة أساتذة زائرين يحاضرون في مقررات علمية مختلفة، فيلوِّنون العطاء، وينــوِّعون الأساليب، إذ يسمع منهم الطالب نغمة مختلفة عما عهده طوال العام الدراسي، فيفيد علوما جديدة، ويفتح آفاقا رحيبة، ويضيف إلى مداركه مداركَ أخرى، تعينه على الفهم، وتفتح له أبوابا من أبواب المعرفة والعلم.
وقد حظينا في دراستنا لدبلوم الدراسات العليا – الشعبة اللغوية بثلاثة أساتذة زائرين كان لهم في نفوسنا وعقولنا أثر طيب، بل كان لبعضهم عظيم الأثر في التوجه والاختصاص الذي التزم به بعضنا آنذاك، وأنا واحد من هؤلاء البعض!.
أما أول هؤلاء الأساتذة الزائرين فكان الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح، وهو من كبار أساتذة اللسانيات في عالمنا العربي، إن لم يكن كبيرهم، فهو أبو اللسانيات كما وهو الذي أطلق هذا المصطلح – أعني اللسانيات – على هذا العلم الذي كان يعرف بعلم اللغة، أو علم اللسان، أو الألسنية، أو غير ذلك، فأصرَّ الحاج صالح على اللسانيات لأن الأصل في النسبة أن تكون إلى المفرد وهو اللسان، ولأن له نظائر في علومنا الأخرى كالرياضيات والصوتيات…
وقد أضفت إلى هذه المسوغات نصًّا قديما وقفت عليه للغوي الأندلسي المشهور ابن سيده في مقدمة معجمه العظيم (المحكم والمحيط الأعظم) يقول فيه:
«وَذَلِكَ أنه – أدام الله مدَّته، وَحفظ على مُلكه طُلاوته وجدتّه – لما جمع الْعُلُوم النافعة، من الديانيات واللسانيات، فسلك مناهجها، وشَهَر بمُقدماتها نتائجها، وذلّل من صعابها».
ولما عرضت عليه النّص تهلل وجهه وسرَّ به أيَّــما سرور!
وكان الحاج صالح محاضرا من طراز رفيع، فهو فصيح اللسان، قويّ الجنان، ذو نبرة آسرة، وشخصية جاذبة، وفقهٍ حاضر»وخير الفقه ما حوضر به».
ولعلّ أهم ما يميزه في دنيا اللسانيات أنه أخذ العربية عن أهلها من علماء الجزائر أولا، ثم من علماء الأزهر ثانيا، قبل أن يمضي إلى فرنسا فيدرس على علمائها أحدث النظريات اللسانية في السوربون، ويخرج علينا بنظريته اللسانية الموسومة بــ: (النظرية الخليلية الحديثة).
وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي هو مثلَــه الأعلى، بل عالِــمَــه المفضل، منه استقى نظريته، وعلى آرائه بنى بحوثه، وباسمه سمى أول معهد أسسه في العالم العربي للسانيات، وهو الذي سمي فيما بعد (معهد العلوم اللسانية والصوتية) وقد زرته غير ما مرة، ودَرَست فيه، وشاركت في مناقشة أول رسالة ماجستر منحت لطالب في تحقيق المخطوطات فيه، كما تقدم القول.
وقد التقى في حبه وتقديره للخليل مع شيخنا النفاخ الذي لم يكن يقدم على الخليل أحدا، بل كانا يذهبان إلى أن نحو الخليل الذي كتبه سيبويه هو النحو العربي الأصيل، وأما ما جاء به ابن مالك وخالفوه فهو الذي أفسد النحو، ولذا كانت دعوتهما دائما إلى الرجوع إلى الأصل في هذا العلم الشريف.
وما زلت أذكر أنه كثيرًا ما ردَّد على مسامعنا أنه قضى في صحبة كتاب سيبويه سبعة عشر عاما، وأن كثيرا من خالفي سيبويه لم يفقهوا الكتاب كما ينبغي أن يفقه، ولم يتدبروا كلام صاحبه، ولم يتبــيَّــنُــوا مقاصده.
وكان يكرر على مسامعنا أن قراءة الكتاب تحتاج إلى نظارات خاصة هي نظارت سيبويه، فمن لم يقرأ بهذه النظارات ضلَّ وأضلَّ.
توفي الحاج صالح يوم 5 مارس 2017 بمستشفى عين النّعجة في العاصمة الجزائرية عن عمر ناهز 90 عاما. وقد نعاه الرئيس الجزائري آنذاك في رسالة أثنى فيها على الرجل، منــوِّهًــا بعلو قامته في علوم اللغة واللسانيات، وأنه أمضى جل عمره منقباً وباحثاً في لغة الضاد.
وكنت قد كتبت كليمة في أستاذنا الحاج صالح -رحمه الله – إبان وفاته أنشرها هنا إتماما للفائدة:
«عرفت العلَّامة الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح رحمه الله وبرَّد مضجعه أول مرة عام 1978 إذ حاضر علينا في الشعبة اللغوية للدراسات العليا بقسم اللغة العربية بجامعة دمشق، في مقرر الدراسات اللغوية الذي كان يتولاه شيخنا العلامة النفاخ -رحمه الله – وكان الشيخ حفيًّــا به، معجبًــا بفكره، مكبرًا لعلمه، لم تفتْــه محاضرةٌ من محاضراته، بل كان يحضرها معنا، وكان حضوره هذا يحلُّ المحاضر في نفوسنا المحلَّ الأسمى .
والحق أن العلامة الحاج صالح كان أهلا لهذا المحلِّ، فقد ملأ أسماعنا وعقولنا بمعرفة لسانية لا عهد لنا بها، تغرف من بحر التراث العميق لتقدمه بلبوس المعاصرة، وتنحت من جبال أعلامنا الراسيات كالخليل وسيبويه وابن جني.. لوحاتٍ لسانية بلغت الغاية روعة وتفنّنا ومثاقفةً وتناصًّا.
لقد عرفنا منه معنى اللسانيات.. وفروعها.. وآفاقها.. وأصالتها.. وتطبيقاتها في لسان العرب لا في لسان الأعاجم، ولا غرو فقد بنى علمه فيها على أساس متين من المعرفة اللغوية العربية، وهو صاحب النظرية الخليلية التي ترد كثيرا من المفاهيم اللسانية الحديثة إلى إمام العربية الأكبر الخليل بن أحمد الفراهيدي.
ثم عرفت العلامة الحاج صالح عن كثب فازددت به إعجابا، ولعلمه إكبارا، إذ رافقته في جولته بأسواق دمشق بتكليف من شيخنا النفاخ، وزار معي دكان والدي رحمه الله قرب المسجد الأموي وتعرف إليه.
وقُــيَّــض لهذه المعرفة أن تربو وتثمر في عملي بمركز الدراسات والبحوث العلمية، الذي أبرم اتفاقية مع معهد العلوم اللسانية والصوتية الذي يديره الدكتور الحاج صالح، وكنت عضوًا في لجنتها التنفيذية، وأتاح لي ذلك زيارة المعهد واتباع دورة لسانية صوتية فيه، دامت نحوًا من عشرين يوما عام 1983م.
ودعاني عام 1985 مع أستاذي الدكتور شاكر الفحام للمشاركة في مناقشة أول رسالة في تحقيق المخطوطات تجري في ذلك المعهد للطالب الأخضر شعلال. وقد لقينا من كرمه وحفاوته ما يعجز اللسان عن وصفه.
وكان من ثمار هذه الاتفاقية بين المركز والمعهد تحقيق رسالة أسباب حدوث الحروف لابن سينا بالمشاركة مع الزميل د. مير علم بإشراف شيخنا النفاخ وتقديم أستاذنا الفحام رحمهما الله.
كما كان من ثمارها عملي في تحقيق الدر النثير للمالقي ودراسته في الرسالة التي نلت بها درجة الدكتوراه عام 1994م.
وقد تسنى لي أن ألتقي بأستاذي د. عبد الرحمن الحاج صالح في كثير من الندوات والمؤتمرات والاجتماعات واللقاءات التي تعني بالعربية وباللسانيات التطيبقية والحاسوبية في دمشق والكويت والمغرب والجزائر فكان دائما الفارس المجلِّــي الذي لا يشقُّ له غبار علمًا وفقهًا وبيانًا ومحاضرةً…
لقد عاش الحاج صالح أمينًا لهذه اللغة.. حفيًّا بها.. محبًّا لها.. عارفًا بأسرارها.. مقدرًا لأعلامها.. مجاهدًا في سبيلها.. لم تخلبْــه أو تفتنْــه أضواءُ الدراسات اللسانية الحديثة، ولم تصدفْــه عن لغته، بل زادته قناعةً بعظمتها وعظمة علمائها، ودقة أحكامهم، وتقدمهم فيما أصلوا وبيَّــنوا على كثير مما جاءت به دراسات المحدثين من علماء اللسانيات وأضرابهم.
وقد قرَّتْ عيني وعين كل محب للعربية وأصالتها برئاسته لمجمع اللغة العربية بالجزائر، ثم بفوزه بجائزة الملك فيصل عام 2010م..
رحم الله العلامة الحاج صالح بقدر ما أحسن وأجاد، ونفع الأمة وأفاد، وأكرمه وأعلى مقامه بقدر ما نشر علوم العربية الخالدة ورفع رايتها خفاقة عليَّــة.. وجزاه عن الأمة ولغتها خير ما جزى عالما عن قومه ولغته».
*الجامعة العربية المفتوحة – الكويت

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـمربِّي الـــقـــــدوة

أ. عيسى عمراني/ عبد الحق ابن باديس:(1920م-….): ولد بقسنطينة، حفظ القرآن بمسجد «قموش»، وتعلم مبادئ …