الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى | هل يجوز استعمال كلمة{الديانات} للتعبير عن الطاعات.

هل يجوز استعمال كلمة{الديانات} للتعبير عن الطاعات.

الشيخ محمد مكركب أبران
Oulamas.fetwa@gmail.com /

قال السائل: قرأت في رسالة ابن أبي زيد القيرواني قوله في المقدمة:{ إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ منها تنبيههم على معالم الديانات وحدود الشريعة}وقال بعد ذلك، في باب:{ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات}
قال السائل: ما معنى قوله: الديانات؟ وهل يجوز أن نقول نتعلم أمور الديانات؟

****الجواب****
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أولا: ما هي رسالة ابن أبي زيد القيرواني، هي كتاب فقه ألفه لطلبة العلم، وهو رحمه الله بَيَّنَ ذلك في المقدمة فقال: {أما بعد أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه، فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة، مما تنطق به الألسنة، وما تعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن ومؤكدها ونوافلها ورغائبها، وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه وفنونه، على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله} فلخص في الرسالة: الطهارة وأركان الإسلام، والجهاد، والنكاح، والبيوع، والقصاص، وعلم الميراث، والتداوي والرقية. وهو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني، نسبة إلى القيروان مدينة معروفة بالمغرب العربي، في تونس، ويلقب {مالك الصغير} وتوفي سنة ست وثمانين وثلاث مائة هجرية.
ثانيا: قال السائل: (ما معنى قوله: الديانات)؟. الديانات جمع ديانة، والديانة لغة: ما يتدين به الإنسان، وهي مصدر: دان، يدين. {ما يتعبد به الله. ومنهم من ذكر أن كلمة (ديانة) تعني دين، وملة} القاموس. ولكن المؤلف رحمه الله لايقصد بالديانات الأديان، ولا الملل، وإنما يقصد الطاعات، كما تجمع العبادة إلى عبادات أي: يقصدون الشعائر الدينية، يقال: فقه العبادات. فاستعماله كلمة الديانة في كتابه {الرسالة} المقصود: الطاعة، والجمع طاعات. وكما استعمل ابن أبي زيد، عبارة:{وحِفْظِ مَا أَوْدَعَنَا مِنْ شَرَائِعِهِ} ويقصد أحكام الشريعة، وليس جمع شريعة.فالمسلمون كلهم لهم شريعة واحدة، بل ليس للعالم أجمع شريعة غير الشريعة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فالدين في أصله واحد، والشريعة بعد بعثة خاتم النبيين واحدة هي شريعة القرآن. قال الله تعالى:﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية:18) والشريعة تشمل ما شرع الله لعباده من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والفرائض، والبيوع، والزواج والطلاق، وغير ذلك من الواجبات التي أمرنا بها. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
ثالثا: قال السائل:(وهل يجوز أن نقول نتعلم أمور الديانات؟) إذا كان العالم الفقيه عبد الله بن أبي زيد استعمل هذا التعبير في سياق خاص، فلا يجوز القول بذلك كما سأل السائل، إنما نتعلم أمور الدين، ونتعلم أحكام الشريعة. ولا يقال: الأديان السماوية، أو الديانات السماوية، فالدين عند الله الإسلام، الدين واحد، ولا يقال: الديانات السماوية، وإنما يقال الشرائع حتى لايلتبس الفهم على الناس، ولا يقال الآن في العالم شرائع وإنما شريعة واحدة هي شريعة القرآن. ففي عهد موسى عليه الصلاة والسلام، كان المؤمنون دينهم الإسلام، وشريعتهم التوراة، وفي عهد عيسى عليه الصلاة والسلام، كان المؤمنون دينهم الإسلام، وشريعتهم الإنجيل، وفي عهد محمد عليه الصلاة والسلام، منذ بعثته وإلى يوم القيام فكل المؤمنين دينهم الإسلام وشريعتهم القرآن. وبما أن محمدا عليه الصلاة والسلام أرسل إلى الناس جميعا، فإن جميع الناس المؤمنين دينهم الإسلام وشريعتهم القرآن. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
قال الله تعالى:﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.﴾ (البقرة: 135 ـ 137)
تدبر قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أما إذا لم يؤمنوا بالقرآن ولم يعملوا به فلم يهتدوا.
وفي الحديث الشريف. عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:[والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار] (مسلم:153)
ربعا: وعلى طالب العلم من يقرأ مثل هذه الكتب الفقهية النفيسة أن يكون إلى جانب العلم باللغة العربية، والأحكام الشرعية، أن يقرأها على عالم، وأن يعلم الظروف والبيئة العلمية للمؤلف، والمصطلحات المتعارف عليها في ذلك الزمان، خاصة في فروع العلوم الفقهية. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـموضـــــوع: العمـــل الــذي ينفــع الإنســــان بعـــد مـــوته

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com / ****السؤال**** قالت السائلة: أريد نصيحة منكم أيها الشيخ كيف …