الرئيسية | في رحاب الشريعة | لغة القرآن تتعرض للاتهام وتكشف عن أسباب محاربتها وترد على الأوهام

لغة القرآن تتعرض للاتهام وتكشف عن أسباب محاربتها وترد على الأوهام

أ. محمد مكركب /

منذ ما قبل عهد الاستعمار في الشمال الإفريقي والشام، منذ أكثر من خمسة قرون من الزمن واللغة العربية، لغة القرآن والبرهان والأكوان، لغة الجبر والهندسة والفلك والبيان، لغة الدين والدنيا وخصائص الأشياء، لغة علوم الأرض والسماء، منذ زمان وهي تتعرض لاتهامات أقل مايقال عنها إنها من دسائس الاستعمار يروجها ويقول بها أتباعه والمنهزمون تحت سراب حضارته، والمستفيدون من فتات موائده طلية هذا الزمن، وأكبر تهمة توجه للغة القرآن، لغة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي لايقولها إلا فاقد الصواب أو من لم يعرف قيمة الكتاب. يقولون عن اللغة العربية وما أدراكم ما اللغة العربية التي ركعت بين يديها كل اللغات فضلا عن اللهجات وبايعوها منذ عهد اليونان على أنها لغة علوم الكون والبيان، عندما تعلموا وعلَّموا الرياضيات والهندسة والفيزياء، بالألف والباب والدال، فجاءت نغمة طائشة من بين من يحاربون القرآن، ليقول عن العربية{إنها تحتاج إلى ترقية} ولعل مروجي هذا الاتهام يحتاجون إلى رقية، فبدلا من أن يقولوا الحقيقة وأنهم يحتاجون إلى رقية قالوا عن العربية تحتاج إلى ترقية!!! واتهام اللغة العربية لغة القرآن بأنها غير تامة وهي تنتظر هؤلاء الذين يتهمونها بالقصور منذ خمسة آلاف سنة تنتظرهم ليرقواها!!!، وفي نظر الْمُتَّهِمين أن كل الذين استعملوها في اليونان واليمن والعراق والأندلس، ومنذ قحطان وعدنان، ولا من نطق بجوامع الكلم منذ خمسة عشر قرنا، كلهم في نظر هؤلاء أنهم ماكنوا يعلمون بأنها كانت تفتقر إلى ترقية، وما كانوا يعلمون أن الأنجلزة أفضل من التعريب!، حتى جاء عباقرة الاستعمار فاكتشفوا أن اللغة العربية لا يمكن استعمالها حتى نرقيها، ولا تكون هي اللغة الأولى والسيدة في التعليم والخطاب وكل شؤون الدولة، حتى تظل تنتظر الترقية، ومادامت العربية في نظرهم غير قادرة وتنتظر من يرقيها ولن يحصل ذلك من طرف متهميها أبدا، لأنه اتهام مقصود على الدوام ليظل الحال على ما هو عليه الحال. ويقول من يتهمها، وكذا من تنطلي عليه عِلَلُ الاتهام: أنه مادامت العربية في نظرهم غير راقية فلتبق لغة الغنيمة (مستعملة ديمة) وتظل حليمة في عاداتها القديمة، ومن يقولون بأن اللغة الإنجليزية هي لغة العلم، (والعربية ليست على بالهم إطلاقا، فهم في نظرهم أيضا أن العربية ليست لغة العلم، أو ليست هي لغتهم) فعينهم على نحن لاباس وحال خير من حال، وخليوا الفرنسية هي أقرب إلى لغة العلم وانتهى المشكل، هذا سر الاتهام، ولغز الأوهام، وهذا هو ديدن الرافضين لغة القرآن وعلوم الكون والبيان.
قال محاوري: وهل قولهم: {العربية قاصرة أو تحتاج إلى ترقية أو أنها غير مؤهلة للقيام بما تقوم به اللغات (الحية) وغير ذلك من الاتهامات هل في هذه الأقوال خطورة؟ ربما علموا أمورا لانعلمها} قلت: الجواب على وجهين جواب بما أجاب به العلماء من قديم، وهو أن اتهام العربية ومحاربتها وتعطيلها وسيادة أي لغة قبلها يعتبر محاربة للقرآن، ومنه محاربة الدين. والوجه الثاني للجواب وهو أن من يتهم اللغة العربية بالنقص كأنهم يقولون: إن الله تعالى أنزل الكتاب الخاتم الشامل الدائم إلى يوم القيامة، أنزله بلسان غير تام، أي بلغة قاصرة، لاتستطيع حمل المصطلحات العلمية، وغير مؤهلة،!! وهذا غير معقول ولا يقول به أهل العقول، فإن الله تعالى أنزل الكتاب بأكمل وأغنى وأرقى لغة على الإطلاق، وإذن فمن يقدم على العربية لغة أخرى يزعم أنها لغة العلم، أو يساويها معها فقد افترى إثما مبينا، والإثم في الزعم بأن ثمة لغة أفضل من لغة القرآن.
قال محاوري: وما دام كما تفضلتم أن العربية قادرة على كل ما تعنيه القدرات اللغوية فما هو المانع من فسح المجال للعربية في الإدارة والجامعة لتكون هي لغة التعليم لكل المواد، ولتكون لغة الإدارة والنشر والأرشيف، والبحوث العلمية؟ لاشك أنهم وجدوا صعوبة، وإلا فهم مسلمون ويحبون الخير، ويعملون على نصرة القرآن. قلت: لماذا تراوح بأسئلتك ولا تصارح؟ ألست أنت الذي قلت: بأن الأَنْجْلَزَة أولى وأسبق من التعريب؟ قال: لا، أنا لا أقصد التنكر للغة القرآن فهي على الرأس والعين، ولكن هذا هو الواقع، إن الإنجليزية لغة العلم. قلت: ها قد أجبت نفسك بنفسك، بأن المتخلفين لم يفسحوا المجال للغة القرآن لأنهم غارقون في الواقع الذي فُرِضَ عليهم منذ قرون، أما تعلم أنه لو خضعت جمعية العلماء ومعها كل الصلحاء في الجزائر، في عهد الاحتلال لوخضعوا للواقع الذي أراد الاستعمار الفرنسي أن يفرضه على الشعب الجزائري، لما كانت ثورة نوفمبر 1954م ولما كان الاستقلال العسكري، ولما كان خروج جيش الاحتلال من الجزائر. ولكن جمعية العلماء يوم نشأتها خَلَّصَتْ نفسها من الواقع الأليم الذي كان يريد الأعداء فرضه على المسلمين في المشرق والمغرب، واقع الفكر التبعي للغير، واقع الْعُقَدِ النفسية، ومازالوا يريدون فرضه ليظل التخلف هو السمة الضاربة على الشعوب التي هجرت لغة القرآن وفضلت عليها لغة الاستبداد والهيمنة.
قال محاوري: ما تركت لي ما أقول، ورغم ذلك مازال بعضهم يقولون، قلت ماذا يقولون؟ قال يقولون: ولكن تعميم استعمال اللغة يقتضي التدرج شيئا فشيئا، ثم إن الكثير من أساتذة الجامعات وإطارات الإدارة والتسييرـ، تعلموا بما تَعْلَمْ!!، ولذلك فهم يواصلون عملهم بما تعلم!!، وكما تعلم!!. قلت: ويُعَلِّمون أولادهم بما تعلم، وتتعلم إطارات المستقبل بما تعلم، وسيظل الحال كما تعلم. أليس كذلك كما تعلم؟!!
قال محاوري: هل يمكن اعتبار هجران العربية من بين أسباب التخلف؟ لماذا تقدمت وتحضرت الدول المفرنسةوالمؤنجلزة وغيرهم؟ كالبلد الفلاني، والفلاني؟ قلت: ماذا تعني بالتقدم، والتحضر؟ هل مقياسك هو صناعة أسلحة الدمار؟ أم تجويع الملايين من بني آدم والصعود على أحزانهم ودموعهم؟ اعلم بأنه، من بين أسباب تخلف المسلمين عامة وبقائهم على التفرق والصراع بينهم، والضعف أمام غيرهم، وخلف الشعوب العربية خاصة، هو هجرانهم واحتقارهم لغة القرآن الكريم. ولو أن الإنجليز أنفسهم والفرنسيين والألمان وغيرهم أنصفوا اللغة العربية واستعملوها لكانوا أرقى عما هم فيه. ولكن العصبية والحساسيات النفسية حالت بينهم وبين كنوز اللغة العربية، بالضبط مثلما حرم غيرُ المسلمين أنفسهم من نعمة الإسلام. قلت لمحاروي: هل عندك شك في أن الإسلام هو الدين الحق، وأن من يبتغي غير لإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين؟؟، ومع ذلك مازالت الدول غير المسلمة التي تقول عنها إنها متقدمة لاتدين بالإسلام، وهذا دليل على أنهم لايعقلون، ولا يفهمون معنى التقدم المطلوب، فمن مات على غير الإسلام يعترف يوم القيامة ويشهد على نفسه أنه كان في الدنيا لايسمع ولا يعقل، لايسمع لدعوة الإسلام ولا للعمل بلغة القرآن ولا يعقل ولا يفهم.﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:10)هل هؤلاء مقياسك في التقدم؟ يامن تهجر لغة الكتاب ويستهويك الخارجون عن الصواب؟. ثم إن العربية هي مفتاح الوصول إلى التكنولوجيات التي بلغوها وأكثر، وإلى القيم الدينية التي جهلوها ويحاسبون عليها يوم القيامة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

الشيخ محمد مكركب أبران/ مما دأبت عليه المجتمعات وهو أساس، ومن ضروريات الحياة المجتمعية في …