الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | فضل الإحسان إلى الأقارب

فضل الإحسان إلى الأقارب

د. يوسف جمعة سلامة* /

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ «أَنَّ» النَّاسَ عَلَى ضَلالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسْتَخْفِيًا،جُرَآءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا نَبِيٌّ» ، فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي اللَّهُ»، فَقُلْتُ: (وَ«بِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ»).
هذا الحديث حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب إسلام عمرو بن عبسة.
لقد اهتم ديننا الإسلامي بصلة الأرحام وحثَّ عليها، وأكّد على ضرورة المحافظة عليها والعناية بأمرها، حتى جعلها مرتبة متقدمة من مراتب الإيمان بجانب برّ الوالدين، وجاءت الوصية بها أيضاً بعد تقوى الله، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، كما أكّدت الأحاديث النبوية الشريفة على فضلها وحُسن الاستمساك بها؛ لِمَا لها من فضل كبير وأجر عظيم، حيث حرص ديننا الإسلامي الحنيف على صلة الأرحام ورغّب فيها؛ لأنها تؤدي إلى تقوية الروابط بين الأهل والأقارب والأحباب، كما أنها تنشر المحبة والمودة بينهم، فينشأ المجتمع قوياً متيناً متحاباً تسوده الأخوة الإيمانية والروابط الأخوية.

العيــد…. وصلة الأرحام
يعيش المسلمون في هذه الأيام المباركة في ظلال عيد الأضحى المبارك، ومن المعلوم أن العيد في الإسلام يوم فرح وسرور، يحبُّ الله سبحانه وتعالى فيه أن تظهر آثار نِعَمِهِ على عباده، وفي العيد دعوة لصلة الأرحام كما جاء في قوله –صلى الله عليه وسلم -: (… وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَليَصلْ رَحمه)، فصلة الأرحام في العيد واجبة، كما أنها دعوة لتأكيد أواصر المودّة بين الجيران و الأصدقاء، ومناسبة طيبة للتعالي على أسباب الحقد والشحناء لقوله –صلى الله عليه وسلم – : «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ تَعالى خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللهِ تَعالى خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ.»، وفي يوم العيد يعطف الأغنياء على الأيتام والفقراء والمحتاجين، فتدخل البسمة والفرحة كلّ البيوت، وتظهر وحدة المسلمين وتكافلهم فهم كالجسد الواحد، فليس بينهم محزون ولا محروم في هذه الأيام المباركة.

فضــل صلــة ذوي القربــى
لقد وردت أحاديث عديدة تبيّن فضل صلة ذوي القربى وتحثُّ عليها، لما يترتب على ذلك من سَعَةٍ في الرزق وطول في العمر وسعادة في الدنيا ونعيم في الآخرة، ومنها:
*قوله-صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ).
* ما ورد عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ: وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبهِ وَبَنِي عَمِّهِ»).
*قوله-صلى الله عليه وسلم- أيضاً:(الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ،صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ).
عند دراستنا للأحاديث النبوية السابقة نتعرف على حرصه– صلى الله عليه وسلم – على صلة الأرحام، فقد كان –عليه الصلاة والسلام – يأمر بصلة الأرحام ويُرَغّب فيها في جميع الأحوال، ومن الجدير بالذكر أن صلة الرحم تكون بالمال، وبالعون عند الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشرّ بحسب الطاقة.
وفي أيام العيد المباركة تتوثّق صلة الأرحام، حيث يحرص المسلمون على الأجر والثواب بصلة الأرحام، يتبادلون الزيارات والهدايا، فتنتشر المحبة والوئام وَتَقْوَى الروابط بين أفراد المجتمع، وتعمّ الفرحة بيوت المسلمين في هذه الأيام المباركة.

ليس الواصل بالمكافئ
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة –رضي الله عنه – (أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ،إِنَّ لِي قَرَابَةً، أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِن اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ»).
لقد بيّن رسولنا –صلى الله عليه وسلم – في الحديث السابق أن صلة القربى ليست قاصرة على أولئك الذين يصلونك ويزورونك، فهذه تُعَدُّ مكافأةً لهم على زياراتهم، ولكنّ الصلة الحقيقية الكاملة ينبغي أن تشمل جميع الأقرباء حتى القاطع منهم، للحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص–رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَيْسَ الْوَاصِلُ بالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ).
فَمَنْ أكرم قرابته أكرمه الله، وكما تَدين تُدان، ورحم الله القائل:
ازرعْ جميلاً ولوْ في غيرِ موضعِه***فلنْ يضيعَ جميلٌ أينما وُضِعَا
إنّ الجميلَ وإِنْ طَالَ الزمانُ بهِ ***فليسَ يَحْصُدُه إلاّ الذي زَرعَا

عقوبة قاطع الرحم
لقد جاءت النصوص الشرعية مُحَذّرة قاطع الرحم بسوء المصير واللَّعن والعقوبة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}، وَلِمَا ورد أيضاً من أحاديث شريفة رواها الصحابة الكرام –رضي الله عنهم أجمعين –، منها: قوله –صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ =) أي قاطع رحم، وقوله –صلى الله عليه وسلم – أيضا: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ، قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ ).
إنّ قاطع الرحم يطارده الشؤم حيثما كان، كيف لا وقد عصى الله ورسوله؟! فهو مُعَذّب من الداخل بتأنيب ضميره، وهو مطاردٌ في كل مكان بنظرات الحقد والاحتقار، هذا في الدنيا، أما في الآخرة، فلا يقبل الله منه صرفاً ولا عَدْلاً، كما جاء في قوله–صلى الله عليه وسلم –: (وَالَّذِي بَعَثَنِي بالْحَقِّ لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ رَجُلٍ ، وَلَهُ قَرَابَةٌ مُحْتَاجُونَ إِلَى صَدَقَته، وَيَصْرِفُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
هذه هي تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وهذا هو المجتمع الفاضل الذي ينشده الإسلام، مجتمع الحبّ والودّ والفضل والإحسان، مجتمعٌ مُتماسك البنيان، مُتَوَحّد الصفوف والأهداف، لذلك يجب علينا أن نتمسك بتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف؛ لنكون إن شاء الله من السعداء في الدنيا والآخرة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

كلنا فداك يا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –

د. يوسف جمعة سلامة* / يقول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ …