الرئيسية | كلمة حق | هل الشرع نفى العدوى؟

هل الشرع نفى العدوى؟

أ د. عمار طالبي /

يرى بعض النّاس أنّه لا عدوى، ويفتي بذلك للجمهور، ويغترّ بعضهم بهذا الرأي، وتتسبب الفتوى بإزهاق الأنفس، وانتشار العدوى، واشتعالها من فرد إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، ومن مدينة إلى مدينة، ومن حيّ إلى حيّ، ويبيد الوباء بعض الأسر بأسرها، ويأخذ بعض النّاس من بلاد بعيدة إذا دخل بلدا آخر وكان مريضا ينشر هذا الوباء، في هذا البلد الذي دخله، وأنت ترى كيف انتقل من الصين في أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، بسبب انتقال العدوى، وأريد هنا أن لا أطيل في هذا وأنقل لكم نصاً من فقيه وطبيب مشهور في العالم الإسلامي وهو لسان الدين بن الخطيب (ت 776هـ/1374م) في مقالته عن الوباء أو الطاعون، سماها: «بمقنعة السائل عن المرض الهائل»، قال: «فإن قيل كيف سلّم دعوى العدوى، وقد ورد الشرع بنفي ذلك؟ قلنا: وقد ثبت وجود العدوى بالتجربة، والاستقراء، والحس، والمشاهدة، والأخبار المتواترة، وهذه مواد البرهان، وغير خفيّ عمن نظر في هذا الأمر أو أدركه هلاك من يباشر المريض بهذا المرض غالبا، وسلامة من لا يباشره كذاك وقوع المرض في الدار، والمحلة لثوب (أي بسبب ثوب) أو آنية، حتى إن القرط أتلف من علّق بأذنه، وأباد البيت بأسره، ووقوعه في المدينة، في الدار الواحدة، ثم اشتغاله منها في أفذاذ المباشرين، ثم جيرانهم، وأقاربهم، وزوارهم خاصة، حتى يتسع الخرق» مخطوط الاسكوريال رقم (506.717) ورقة 7، يقول: «وسلامة الكثير ممن أَغْيا في التوحش (أي أوغل فيه، بالبعد عن الناس) كالزاهد ابن أبي ملين بمدينة سلا، وكان من القائلين بالعدوى، وقد تزوّد لمدة، وبنى باب منزله على أهله وهم كثيرون، وفنيت المدينة، ولم يرزأ نسمة واحدة بطول تلك المدة»، وذكر سلامة سكان الأماكن التي لا طرق تؤدي إليها، لكونها منقطعة عن الناس، بل يذكر حادثة غريبة بقوله: «والأعجب لهذا العهد (القرن الثامن الهجري) من سجن الأسرى من المسلمين –انقذهم الله – بدار صنعة اشبيلية، وهم ألوف لم يصبهم الطاعون، وقد كاد يستأصل المدينة».
وذكر سلامة أهل الخيام والرحالين من العرب بإفريقية، وغيرها لعدم انحصار الهواء وقلة تمكن الفساد منه، وأخبر بما وقع من عهده من الجدال في هذا الأمر، يقول: «وفي هذا الباب من ارتكاب اللجاج فيه ألحم في الناس سيف الطاعون، وسلط الله عليهم من بعض المفتين من اعترضهم بالفتيا اعتراض الأزارقة من الخوارج للناس بالسيوف، فسالت على شبا (أطراف) أقلامهم من النفوس والمنهج، ألا يعلمه إلا من كتب عليهم الفناء بسببه، وإن كان بريء القصد (أي المفتي) من المضرّة وقوفا مع ظاهر الحديث، ومن الأصول التي لا تجهل أن الدليل السمعي إذا عارضه الحسّ، والمشاهدة لزم تأويله، والحقّ في هذا تأويله بما ذهب إليه طائفة ممن أثبت القول بالعدوى، وفي الشرع مُؤْنسات عديدة كقوله: «لا يورَد مُمْرض على مُصِحّ».
وقول الصاحب (عمر بن الخطاب) «أفرّ من قدر الله إلى قدره»، وقال: «وبالجملة فالتصامم عن مثل هذا الاستدلال زعارة، وتصاقر على الله، واسترخاص لنفوس المسلمين، وقد وقف من أهل الورع بالعدوة إلى النّاس مستقلين، مشهدين على أنفسهم بالرجوع عن الفتوى بذلك، تحرجا من تسويغ الإلقاء باليد إلى التهلكة، عصمنا الله من الخطل ووفقنا في القول والعمل».
وفي نسخة أخرى يقول: «وقفت لبعض من صنف في الوباء على ما معناه: أنه لا ينكر العدوى إلاّ أحد رجلين: إما منافق الطبع يقول بلسانه ما لا يعتقد بقلبه، وإما جاهل أحضروبا فظ».
هذا رأي طبيب وفقيه في الطاعون الذي ظهر سنة 749هـ/1347م، بدأ من الصين ووصل إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن ذلك الأندلس، ويشاركه في هذا طبيب آخر، وهو ابن خاتمة الأنصاري الذي وصف هذا الطاعون، وآثاره، بانتقاله من الصين إلى أن عمّ الأرض كما ظهر في القرن التاسع عشر أيضا من الصين ووصل إلى أوروبا، وهلك بسببه عدد كبير من البشر، واكتشف أحد علماء فرنسا الجرثومة التي تنقله أول مرة في التاريخ، ومن قرأ الحديث الذي روي عن أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم، وهو: لا عدوى ولا طيرة.. يدرك تماما كيف أن أبا هريرة إما نسي وإما أن الحديث نسخ، ويعارض هذا الحديث حديث الصحيح الآخر «فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد»، والحديث الآخر: «لا يجوز ممرض على مصح، والحديث الذي رواه الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه – عن الطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه».
ولم يبق لمنكر العدوى أي دليل نقلي، ولا عقلي، وقد ذهب أحد الأطباء المعاصرين وهو الفقيه أيضا الدكتور هيثم الخياط إلى أن قوله -صلى الله عليه وسلم – «لا عدوى» اللام هنا للنهي لا للنفي، وهو عضو في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
والقول الفصل في هذا كله قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والبدن.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ماذا يمثل أي دستور لأي أمة؟

أ د. عمار طالبي/ إن أي دستور يسنّ لأية أمة في العالم إنما يعبر عن …