الرئيسية | على بصيرة | تهنئــــة من لا عيــــد لهـــم فــي العيــــد

تهنئــــة من لا عيــــد لهـــم فــي العيــــد

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين / 

إنّ الأصل في العيد، أي عيد، أن يأتي مصحوبا بالأفراح، فهو يبعث في الوجوه البشر، ويرسم الابتسامة على الثغر، ويُنسي الناس بالتضامن محنة الحاجة والفقر. غير أنّ العيد في زمن الكورونا، أبطل قاعدة الدهر، وفي بلاد العروبة زاد من شدة القهر والعسر.

فإذا كان البعض منا، لا يزال يعمل بسنة النحر، ويتنافس في شراء الكبش الأقرن، رغم القهر، فإنّ جزء عزيزا من أجزاء أمتنا، يعيش تحت خطّ الصّفر، فالحرب، والضرب، والقمع والقهر، جعل الناس جميعا يعيشون في ظل الخوف من السجن، والأسر.
فقد العيد في أوطاننا -إذن – معناه، وحاد عن مقصده ومبتغاه، وصار الناس لا عيد لهم، بل إن العيد يأتي ليزيد من أشجانهم وأحزانهم.
فأي عيد لمن فقد لذّة التسبيح والتكبير، وحرم من نعمة النفرة والنفير؟ وأي عيد لمن فقد حرية المسير، لمواساة مريض، أو فقير، أو تعزية عزيز في أمر خطير؟
وأي عيد، لمن يعانون ظلم وظلام زنزانة الأسير، أو حرية التعبير، أو معاناة القصف والتكسير؟
إنّ العيد عندما يحلّ علينا، يذكرنا بكلّ الفئات التي لا عيد لها، فينغص علينا تشوه العيد، ولبس الجديد، وأكل القديد، وسماع الخطاب المسجدي السديد؟
لقد صارت الأعياد كما وصفها الشاعر العراقي أحمد مطر:
للنّاس ثلاثة أعياد
عيد الفطر، وعيد الأضحى، والثالث عيد الميلاد
يأتي الفطر وراء الصوم، ويأتي الأضحى بعد الرجم
قيل له: في أي بلاد؟
قال الراوي:
من تونس حتى تطوان، من صنعاء حتى عمان
من مكة حتى بغداد
قُتل الراوي، لكن الراوي يا موتى
علمكم سرّ الميلاد
ولكن الميلاد سيأتي ساعة إعدام الجلاد
وما أكثر الباحثين اليوم عن سر الميلاد، بين العباد، وفي كلّ البلاد؟
إنّ هؤلاء هم الذين لا عيد لهم في العيد، فقد حرموا أي جديد، لأنهم يعانون القمع الشديد، قمع الجلاد والتنديد، ويتحركون وفي أيديهم، وفي أرجلهم، مقامع من حديد، وفيهم علماء أجلاء، وفدائيون أشداء، وضحايا أبرياء، فمن غزة إلى مسراتة، ومن صنعاء إلى صدراتة، ومن باجة إلى فراتة، كلهم فقدوا أو كادوا يفقدون معنى العيد، فلا تمر على آذانهم تهنئة، ولا يسمعون تكبيرا ولا تهدئة.
أو كلما لاح بصيص من النّور والأمل، في جزء من أمتنا بحسن العمل، انبرى له رعاع من العملاء والخفراء، ليجهدوا تجربته، ويبددوا تعبئته، يحدث هذا في جزائرنا الحبيبة، حيث يجرؤ من لا علم لهم، ولا وطنية، يجرؤون على أهل العلم لينتقصوا من علمهم، ومن وطنيتهم، «والجاهلون لأهل العلم أعداء»، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾[سورة غافر، الآية 50].
وحيث أن الكفر ملة واحدة، فإن أزلام الكفر لم يقتصروا على بلد بعينه، بل امتد حقدهم إلى دول شقيقة، مثل تونس، وليبيا، ليشن الأعداء حربهم الضروس، على دعاة الحرية والديمقراطية، وإن هذا لمن علامات قيام الساعة.
وقال الضحى للشمس أنت ضئيلة
وقال الدجى، يا صبح لونك حائل
ويشاء الله، أن يبقى نجم العالم ساطعا، وتنتصر الحرية على الاستبداد والظلم، في كلّ مكان.
ليس المؤسف أن يبتلى أهل الحق ودعاة الحرية، وبناة الوحدة الوطنية بمثل هذا الانبلاء، ولكن الأكثر ألما هو أن يتصدى لهذه المهنة القذرة أناس من بني ملتنا، تستغل أصولهم، أو نوعية جنسهم، ليقوموا بهذه الحرب بالنيابة عمن نذروا أنفسهم لمحاربة الإسلام، بكلّ الوسائل الممكنة.
فما كنا نحسب، أو يوجد بين صفوفنا من يملك القابلية لأن يكون مطية للسفهاء، وسلما للأعداء، فقد نختلف في بعض الجزئيات، بخصوص البناء الوطني، ولكن أدب الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى حرب على الثوابت، ولا أن يكون أداة عدو للهدم والتخريب، فالإسلام يحمل في طياته المقومات المضادة للزلازل، والوطن الذي نقيم بنيانه على أسس إسلامية، لن تؤثر فيه، معاول هدم الأعداء ولا العملاء.
إنّنا من وحي عيد الأضحية والتضحيات نتوجه إلى الله، في خاتمة هذه التأملات، بهذه الابتهالات:
يا رب المستضعفين وربي! ويا قاهر العتاة والمستبدين، إن أمة الإسلام في كل مكان تسام الخسف والهوان، وتعاني الظلم والعدوان، وما لها من ناصر سواك يا قاهر الفرعونيين، والقارونيين.
إننا نمد إليك أكف الدعاء، ونرفع إليك ابتهالات الرجاء، أن تنصرنا على الأعداء، وأن تخرجنا من داجية الجائحة الظلماء، وأن تشفي مرضانا، وترحم موتانا، وتحقق مقاصدنا ومبتغانا، مُنّ اللهم بفك أسرانا من غياهب سجون المحتلين، وحرر اللهم من الأسر العلماء الأتقياء المظلومين، والسجناء الأبرياء المضطهدين.
إنّ هؤلاء هم الذين لا عيد لهم في التهنئة، وتهنئتهم بالعيد، هي هذه الابتهالات التي نرفعها بقلوب صافية، وألسنة داعية، أن يحقق الله آمال الجميع، وأن يعيد العيد علينا، وقد اختفى الظلم من ديارنا، وغاب العنف من أقطارنا، وتحرّر كل مظلوم من أحرارنا، فنحتفل بالأعياد القادمة، في ظلّ الصفو والصفاء، والعفو والإخاء، بعد أن يكون قد زال الوباء، والبلاء، فاللهم آمين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

جهاد دائم من عصر التمائم إلى عهد العمائم

أ.د. عبد الرزاق قسوم  رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين /   هناك مقولات فكرية، في …