الجمعة 24 ذو الحجة 1441ﻫ 14-8-2020م
الرئيسية | المرأة و الأسرة | من وحي التجربة ينقل لكم قلمي أروع ما مر به من لقطات .. وأصدق ما استخلص من عبر.. عمــــــرة فـــي زمـــن كـــورونــــــــا ..

من وحي التجربة ينقل لكم قلمي أروع ما مر به من لقطات .. وأصدق ما استخلص من عبر.. عمــــــرة فـــي زمـــن كـــورونــــــــا ..

أ.صباح غموشي /

 

كنت مع فرز نتائج مسابقة الصنوبر لنهاية الموسم يوما بعد تنظيمها .. ودخلت المقر على عجل أحتاج شيئا في الكمبيوتر .. فوجدت رجلا لم أتبين ملامحه وقد ارتدى كمامته وجلس على أريكة المقر بعدما ألقى السلام مبتسما .. ثمّ ما لبث أن سأل عن الشيخ نور الدين بودبوزنائب رئيس الشعبة قائلا : سمعته البارحة في إذاعة قالمة يدعو الناس للتبرع من أجل شراء أجهزة التنفس لمريضين في حالة حرجة بمستشفى الأم والطفل – قالمة .. وقد كان الشيخ في حصة خاصة استضافت فيها إذاعة قالمة أعضاء من المكتب الولائي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقالمة إثر تسليم المكتب صبيحة ذات اليوم لعشرين حقيبة تنفس لمديرية الصحة تحت إشراف والي الولاية ، وهو نصيب الولاية من مبادرة تضامنية ضمت توزيع 1500 حقيبة تنفس تبرع بها ناشطون بالمهجر لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أشرفت على توزيعها عبر 48 ولاية بحسب تضرر كل ولاية من وباء كوفيد 19 ..
اتصلت أمينة المقر بالشيخ وأخبرته بما جاء من أجله الرجل الذي حمل معه مبلغا ماليا معتبرا أمانة أوصلها كانت قد أوصت بها امرأة قبل وفاتها ، وطلب أن تصل للشيخ ليساهم بها في شراء أجهزة التنفس التي ذكرها في ندائه لأهل قالمة خلال الحصة الإذاعية ..
كنت أتابع عملي بالكمبيوتر وأستمع لما يقوله الرجل .. ثمّ أبعدت الفأرة وأخذت قلمي وسجلت رؤوس أقلام لما كان يرويه الرجل عن قصة المبلغ المالي الذي ناولني إياه لأعده وجلست الأمينة تكتب له وصلا به.. قال الرجل : هذا المبلغ لأم زوجتي كانت تدخره لتذهب به للعمرة وتزور بيت الله الحرام، ثمّ لما جاءت أزمة كورونا وأغلق كل شيء وعلقت العمرات أوصت أن يتصدق بهذا المبلغ إن وافتها المنية لمن يحتاجه ومن يستحقه في حينه ..
ثمّ شاءت الأقدار أن تصاب بفيروس كورونا وتدخل المستشفى ويشتد بها المرض وتكون نهايتها الموت – رحمها الله برحمته الواسعة – .. ودخل معها أحد أبنائها المستشفى ولما سمع بموتها تدهورت حالته جدا ولم يتعاف إلا بعد فترة من الزمن .. بينما أصيب ابنها الثاني أيضا هو الآخر بفيروس كورونا وكان قد جاء من سفر ليرى أمه .. لكنه لم يحظ برؤيتها فاحترق قلبه لأجلها خاصة وقد ماتت بعد وصوله بومين .. يحكي الرجل أنّ الممرضة تروي لهم قصته بعد وفاة أمه .. حيث دخل لنفس الغرفة التي كانت تعالج بها .. وسألهم : هل هذا الكرسي الذي كانت تجلس عليه أمي .. قالوا نعم .. فجلس طويلا يبكي بحرقة .. ثمّ سألهم ثانية هل هذا سريرها الذي ماتت عليه .. قالوا نعم .. فاستلقى عليه .. ثم ضاقت أنفاسه وقال لهم انزعوا عني هذه الأجهزة أريد أن أتنفس طبيعيا .. ولما مرّ الطبيب وجده قد لفظ أنفاسه وسبابته مرفوعة للسماء وهو يتشهد – رحمه الله برحمته الواسعة –
يقول الرجل أنه استلم بنفسه نتيجة تحاليل حماته بعد وفاتها وكانت سلبية.. وكذلك كانت نتيجة ابنها الذي توفي بعدها مباشرة إثر غصة لازمت قلبه فسدّت شراينه حزنا على والدته التي لم يستطع رؤيتها .. رحمهما الله برحمته الواسعة وأسكنهما فسيح جناته .. وظلّ الرجل يعدد محاسن الأم وابنها ويرجو الله أن يكون هذا المبلغ في ميزان حسناتها ويرفع درجاتها في الجنة ..
ما استوقفني طويلا هو بديع تدبير الله عز وجل أن جعلها تؤكد في وصيتها كي تصل الأمانة لمن يستحقها .. ثمّ يجعل الرجل يستمع لحصة إذاعية يدعو فيها الشيخ للتبرع من أجل شراء جهاز تنفس .. تماما كما ضاقت أنفاس المرأة ولعلها صبرت واحتسبت فكافأها الله عز وجل بأن أوصل الأمانة لمن مر بنفس معاناتها فيتضاعف الأجر بفضله .. تدبير حكيم خبير يجعلك تسبح الله كثيرا وتحمده كثيرا وتدعوه طويلا أن يجعل لك في الخير نصيبا وفي الصبر والاحتساب نصيبا .. فسبحان من أسمع هذا الرجل لنداء الشيخ الفاضل ويأتي مسرعا لتصل الأمانة لمن يستحقها بإذن الله .. تماما كما أوصت المرأة رحمها الله ورحم موتانا جميعا ورفع عنا وعن أمة الإسلام الوباء .شعرت في لحظة كأنها نالت ألف عمرة بعد موتها وقد حرمت منها في حياتها بسبب كورونا .. فيا لكرم الله عز وجل .. وطوبى لها أروع عمرة في زمن كورونا ..

عن المحرر

شاهد أيضاً

إنما الحيـــاة أحاسيـــس ومشـــاعــــــر

أ. أمال السائحي /     لقد خلقنا الله عز وجل وحبانا بمشاعر وأحاسيس، تجعل …