الجمعة 24 ذو الحجة 1441ﻫ 14-8-2020م
الرئيسية | مساهمات | الأستاذ الأمين بشيشي وجهاد الكلمة

الأستاذ الأمين بشيشي وجهاد الكلمة

د. إبراهيم نويري *

 

في منتصف ثمانينات القرن المنصرم، كنت أحبّ النشاط الإعلامي والثقافي إلى حدّ سيطرته على معظم اهتماماتي حينئذ، وكنت أنا وصديقي الدكتور محمد مراح نقدم صفحة أسبوعية في جريدة النصر بقسنطينة تُعنى بقضايا الدين والفكر والحضارة والهُوية؛ وفي يوم من الأيام خرجنا من مقر إدارة جريدة النصر في المنطقة الصناعية (بالما)، فوجدنا أمامنا مقر الإذاعة الجهوية، فأحببنا أن نسلم على مديرها يومئذ الأستاذ عثمان أمقران؛ حيث استقبلنا بترحاب وحفاوة، وشكرنا على نشاطنا الإعلامي في صحيفة النصر. ثم فاجأنا بعرض فكرة المساهمة في النشاط الإذاعي، وبعد حوار قصير تمّ الاتفاق على أن أنجز أنا برنامجاً بعنوان “شخصيات لها تاريخ” وأن ينجز صديقي محمد مراح برنامجاً آخر بعنوان: “جولة في كتاب”. وبعد يومين كنا في مقر أستوديو الإذاعة، حيث تمّ تسجيل قصير لأصواتنا؛ فقال الأستاذ أمقران موجها كلامه لي: صوت محمد صوت إذاعي، وخصائص الصوت موهبة إلهية. ثم استدرك و صوتك أنت أيضا لابأس به ولعله يحتاج إلى عناية أكثر! ومنذ ذلك اليوم شرعنا في تقديم البرنامجين المذكورين اللذين أذيعا لعدة سنوات على أمواج الإذاعة.
شاء القدر أن أركّز في برنامج “شخصيات لها تاريخ” على الشخصيات الإصلاحية التي لم تأحذ ما تستحقه من التعريف بها وبأعمالها في الإصلاح والجهاد والدعوة والنضال. وكان من أوائل الشخصيات التي قدمتها في هذا البرنامج الشيخ “بلقاسم اللوجاني السدراتي”، والد الأستاذ الأمين بشيشي، ثم نشرتُ مقالاً موسعاً عنه في جريدة النصر بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للاستقلال؛ وبما أنّ زوجتي هي كريمة شقيقة الأمين بشيشي، فقد اتصل بي هاتفياً شاكراً ومطرياً للمقال الذي نشرته عن والده؛ ثمّ توطدت علاقتنا منذ تلك الفترة؛ و كان كلما جاء الى قرية بوخضرة لزيارة شقيقته يحرص أشد الحرص على لقائي، حيث كنا نسهر إلى وقت متأخر جداً من الليل، وهو محب للسهر والحديث المتواصل في شتى القضايا سواء السياسية أو التاريخية أو الإصلاحية أو الثقافية، إلى جانب القضايا الاجتماعية التي تفرض نفسها أحيانا كثيرة. وكم يسعد إذا وجد من يتفاعل مع ما يطرحه من قضايا وآراء، وللأمانة أسجّل بأنه لم يكن ممن تضيق صدورهم بالرأي المخالف على الاطلاق.
ــ ولد الأمين بشيشي يوم 19 ديسمبر 1927 م بسدراتة، و تتلمذ أول الأمر على يد والده المصلح بلقاسم اللوجاني ــ وهو شيخ زيتوني أزهري ومن رعيل المصلحين الجزائريين الأوائل ــ ثم على يد بعض المعلمين المنتمين إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين؛ إلاّ أنّ روح الشغف بالعلم التي زرعها فيه والده، جعلته يتجه صوب مدرسة التهذيب بتبسة التي أسسها المصلح العظيم الفقيه المحدّث الشيخ العربي التبسي حيث تتلمذ عليه فترة من الزمن ــ كما حدثني عن ذلك مراراً ــ وبعد تلك المرحلة التي لم تطل كثيراً شدّ الرحال نحو جامع الزيتونة المعمور ــ وهو جامع و جامعة شأنه شأن القرويين في فاس ــ حيث مكث فيه بين سنتي 1943 و 1951، ومنه نال شهادة التخرج غي خريف العام (1951) إلى جانب شهادة في الموسيقى؛ إذ إنّ الأستاذ عبد الحميد مهري -رحمه الله – وكان ضمن الطلبة الجزائريين الزيتونيين، اقترح على الطلبة الجزائريين ممن لديهم الموهبة الفنية الانضمام إلى المعهد الرشيدي بتونس العاصمة، وكان الأمين بشيشي من أوائل الطلبة الذين استجابوا لهذا الاقتراح؛ حيث تلقى تكويناً موسيقياً على يد أساتذة مرموقين في هذا الفن، الأمر الذي جعله يشارك في أرقى الحفلات والمناسبات الموسيقية باقتدار لاسيما في مجال العزف على الكمان.
وبعد وفاة والده شهر سبتمبر 1954 أي قبل اندلاع ثورة التحرير الجزائرية بأسابيع قليلة، تولى الإمامة نيابة عن والده إلى أواخر سنة 1956، حيث تفرّغ الى العمل الثوري، إذ سافر إلى تونس للإشراف على إصدار الطبعة الثالثة من صحيفة “المقاومة الجزائرية” رفقة بعض زعماء النضال، وهي صحيفة صدرت في بداية الأمر من باريس؛ ثم شارك مع رفيق دربه المرحوم عيسى مسعودي في برنامج “صوت الجزائر” الذي كان يُذاع ثلاثة مرات في الأسبوع من تونس أولا ثم من تطوان بالمغرب، ثم من القاهرة بجمهورية مصر العربية؛ كان كلٌّ من عيسى مسعودي و الأمين بشيشي والمدني حواس، أيقونة ثورة التحرير الجزائرية المتحركة عبر الأثير، وكان الجزائريون يتلقفون أخبار ثورتهم المجيدة حينئذ من حناجر هؤلاء الثلاثة و ينتظرون كلّ مساء موعد هذا البرنامج بلهفة وحرص شديدين. ونحن لا نستطيع تخيّل كلّ جوانب طبيعة الهاجس الإعلامي بمعايير ذلك الزمن ــ زمن الراديو والصحيفة المكتوبة وإعلام الأشخاص المتنقلين بين المداشر والمدن والجبال ــ لأننا في زمن الثورة الرقمية وتكنولوجيات الإعلام المفتوح والمشفر.
بعد استقلال الجزائر تقلد الأستاذ الأمين بشيشي مناصب كثيرة سياسية و دبلوماسية وإعلامية وثقافية، منها:
ــ مدير عام لمؤسسسة الإذاعية والتلفزيون، وهو ثاني مدير لهذه المؤسسة بعد عيسى مسعودي كما يذكر الأستاذ فتحي سعيدي حفظه الله.
ــ قائم بالأعمال في سفارة الجزائر في القاهرة، بجمهورية مصر العربية
ــ سفير الجزائر في الخرطوم، بجمهورية السودان الشقيق.
ــ مدير المعهد الوطني للموسيقى
ــ وزير الثقافة والاتصال
له إنتاج فني وأدبي وإعلامي، نذكر منه:
ــ برنامج الحديقة الساحرة الذي كانت تنشطه الإعلامية القديرة ماما نجوى.
ـــ جينيريك مسلسل الحريق
ــ مجموعة أغاني الأطفال
ــ مذكرات الأمين بشيشي
ــ تاريخ ملحمة نشيد قسماً
إلى جانب أعمال أخرى، سوف أذكرها بحول الله في مقال قادم، مع صور ذهنية مع الذكريات معه. تجدر الإشارة الى أن المجاهد والإعلامي الفنان الأستاذ الأمين بشيشي -رحمه الله – وطيب ثراه التحق بالرفيق الأعلى يوم الخميس 23 جويلية 2020 صباحاً الموافق للثالث من ذي الحجة 1441 هــ، ونُقل جثمانه الطاهر صبيحة الجمعة إلى قصر الثقافة (مفدي زكريا) لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، ثم ووري الثرى في مقبرة العالية يوم الجمعة 24 جويلية 2020، وهو اليوم الذي صادف أول صلاة جمعة في جامع آيا صوفيا باسطنبول، بعد مرور 86 سنة على تحويله الى مُتحف. أسجّل هذه المعلومة للتاريخ، وأربطها بهذا الحدث، قصد ترسيخها في ذاكرة الأجيال، والله وليّ التوفيق.
* كاتب و باحث جامعي

عن المحرر

شاهد أيضاً

أثر ترجمة القرآن الكريم في نشر الإسلام في الشعوب الناطقة بغير اللغة العربية -التجربــــة الـماليــزيـــة أنمــوذجـــا-.

أ. الهادفة العابد /     أثر ترجمة القرآن الكريم في نشر الإسلام. إنّ لحركة …