الجمعة 24 ذو الحجة 1441ﻫ 14-8-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | نـــــداء الضميــــر يقـــــــــول استجــيــبـــوا لله وللرســول، يا أهل العقــــول

نـــــداء الضميــــر يقـــــــــول استجــيــبـــوا لله وللرســول، يا أهل العقــــول

الشيخ محمد مكركب أبران /

 

يؤمن المسلمون بأن الحياة الآمنة قوامها الاستجابة لله الحكيم الخبير، وللرسول البشير النذير، ويكون ذلك بامتثال ما أمر الله به ودعا إليه، وبلغه الحبيب المصطفى خاتم النبيين. غير أن الجاهلين لا تكفيهم الحجة، ولا يغنيهم البرهان، يرون الآيات البينات وهم غارقون في التقاليد والعادات التي ابتدعها أجدادهم أو زعماؤهم أو كهنتهم الأسطوريون. والأمثلة في القرآن كثيرة، وفي واقع بني الإنسان أكثر، ويظل الجهل والشيطان يلعبان بالغافلين والمصرين على التشبث بالصنمية الآبائية، صنمية التعصب للخصوصية الأبوية أو المذهبية المزعومة زورا وبهتانا. وكل الرسل وجدوا هذه الفكرة الصنمية الآبائية وحب التميز الهرطقي. ففي قصة موسى عليه السلام بعد أن رأى بنو إسرائيل في قوم فرعون آيات الله البينات، وأخبرهم النبي موسى عليه الصلاة والسلام أن سبب هلاك فرعون وقومه كان بسبب كفرهم وشركهم وتركهم عبادة الله تعالى، وقد أورثكم الأرض والديار والجنات والأنهار لتعبدوه وحده لاشريك له. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف:137) والمفروض أنهم يحمدون الله تعالى ويشكرون له سبحانه، بعد أن أو رثهم مشارق الأرض ومغاربها، ولكن للجهل والغفلة وسوء النية هل استجابوا حقا، كثير منهم ظلوا على انحرافهم. ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف:138) مصيبة الجهل تؤدي بالقوم إلى تقليد الكفار في طقوسهم، وعندما يسقطون في مذاهبهم، وبريق شهواتهم وإباحيتهم، يتفرقون إلى شيع وأحزاب متقاتلة حينها تستباح بيضتهم وينهار كيانهم وتخرب دولتهم وتزول سيادتهم، والسبب هو الجهل. ﴿قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾؟ نعم يجهلون. فما هو سبب زوال ملك عظيم في الأندلس؟ السبب هو الجهل، جهل خَلْفٍ جاءوا بعد رجال فتحوا وأصلحوا وبنوا مدنية ونشروا حضارة أشرقت شمسها على العالم. ولوط يقول لقومه:﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ والأقوام الجاهلة التي ضاعت في طي التاريخ لأنها خالفت الرسل، واتبعت شياطين الجن والإنس، وتشبثوا بهوية الصنمية الهرطقية الآبائية، وتركوا العمل بالرسالة السماوية، وتلك هي غلطة الأقوام الجاهلة، تظن أن الآبائية أصدق من الآيات الإلهية. ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ.﴾ (سورة الأحقاف:21 ـ 23)
والذين لا ينقادون لرسالة الخالق سبحانه، ويَحِنُّون إلى الصنمية الآبائية.﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (الأعراف:70) كُلُّ هَمِّ الجاهلين وعُنْصُرِيَّتِهِم الجاهلية أنهم لايريدون ترك الصنمية الآبائية الغاوية، التي تقودهم إلى الهاوية. وما زال إلى يومنا هذا كثير من المسلمين (مع الأسف) يَحِنُّون إلى عصبيات عرقية مزعومة أطلقوا عليها أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وما ثبتت في التاريخ، ولا قال بها الأنبياء، وكل جهة أو فرقة تضع لنفسها شعارا وتزعم أنه من خصوصياتها بالضبط كما سولت لها نفسها، مما وقع فيه السامري، وما أكثر السامريين والجاهلين الذين يخرجون للساذجين عجولا. تركوا عبادة الرحمن وهوية الإيمان وشريعة القرآن، وادعوا هوية العصبية الصنمية. ولله در القائل:
المعبودُ واحدٌ هو الله الدَّيَّانُ. والإمامُ مُحمدٌ وَالدُّستورُ هُو الْقُرآنُ. وأَصْلُ الأَنْسَابِ أَبُونا آدَمُ. وأصْلُ الْهُوِيَّةِ حَقًّا هِي الإِيمانُ. وإنْ كَانَ مِنْ قَحْطَانَ ذُو شَرَفٍ. أَوْ كَان تَعَصَّبَ لِلْعِرْقِ كَنْعَانُ. فسَيَبْقَى الْمُسْلِمُونَ جَمَاعَةً. وحَّدَهُمُ الدينُ زَكَّاهُمُ الرَّحْمَانُ. {ونداء الضمير يقول: استجيبوا لله وللرسول يا أهل العقول}وأنا أكتب هذه الكلمة في شهر شوال 1441ه وإخواننا في فلسطين لا يزالون تحت عنصرية الاحتلال اليهودي الصهيوني، ولا يزال المسلمون يُمْنَعُون من الصلاة في المسجد الأقصى، ولا يزال مسلمون في كثير من بقاع الأرض يُعَذَّبون بأيدي الكافرين والمشركين. ومع مليون أسف، لايزال بعض المسلمين في بلدان كثير يضربون رقاب بعضهم، مخالفين وصية نبيهم، فقط لأن الظالمين منهم جاهلون متشبثون بالصنمية الآبائية الغاوية.عن ابن عباس -رضي الله عنهما – أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم – خطب الناس يوم النحر فقال: [يا أيها النّاس، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا] (البخاري:1739) وقال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا](مسلم:101) فكيف لوكان معنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى مسلمين لايحملون سلاح السيف فقط على بعضهم، إنما يهاجم بعضهم بعضا بالدبابات والطائرات والقنابل المدمرة، ويخرجون الناس من بيوتهم وقُرَاهم ومُدنهم ويشرد بعضهم بعضا فماذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟؟!! صار هؤلاء المتقاتلون في فعل العدوان لافرق بينهم وبين من قال الله تعالى فيهم.﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ (البقرة:85)
والغريب أن كثيرا من الشعوب المسلمة من تلك الأقوام المتعصبة والذين ذاقوا مرارة الاستعمار والاستعباد وتخلف البلاد، ولايزالون يلعبون بشرارة النار، وهم لايَدْرُون حجم الأخطار! وبذلك يُصِرون على العصيان واتباع خطوات الشيطان، ولا يزال نواة الفتنة هو العصبية الصنمية الآبائية، فَمَزْعَمَةٌ تقول أصلهم قحطانيون أو حاميون، ومزعمة تقول أصلهم يافثيون أوحميريون!! والنازغ يقول لهؤلاء: أنتم أصلكم كذا وخصوصياتكم كذا، وإذا فهويتكم هي كذا وكذا. ويقول النازغ للطرف الثاني والثالث والعاشر: أنتم كذا، وهم كذا. وعندما ناديناهم بالقرآن إلى هوية الإيمان لم يستجيبوا. وقلنا لهم: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [دعوها فإنها منتنة] قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم:30 ـ 32)
ومن مثل شرارة النار التي ذكرت سابقا ما وقع حتى في عهد الصحابة من فتنة فئة الخوارج كيف تطايرت دعوتهم، وانتشرت حماقتهم، واستفحلت حتى اتسعت نارها وعم شرها، وكانت بدايتها بنزغة مما تعلمون. وأذكر هذا حتى لا يَقُلْ أحدٌ من شعوب الحاضر المعاصر أنهم في منأى عن ذلك المحذور، ولا بأس بأن يتخاصموا ويتنازعوا وهم يأمنون الغرور، ولا يخشون ما تحت المستور.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدعوة إلى الله في و ما بعد زمن الكورونا

الشيخ نور الدين رزيق/ ينبغي أن يُعلم أن انتشار الأوبئة و منها وباء كورونا ما …