الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | في ظـلال يوم عرفـة والعيـد

في ظـلال يوم عرفـة والعيـد

د. يوسف جمعة سلامة* /

إنّنا نعيش في ظلال أيام مباركة من عشر ذي الحجة، نتفيأ فيها ظلال يوم عرفة وعيد الأضحى المبارك، فيوم عرفة الذي يأتي في التاسع من شهر ذي الحجة هو أفضل الأيام، حيث يجتمع فيه المسلمون على صعيد واحد في أشرف بقاع الأرض وأقدسها، يُهَلِّلون ويُكَبِّرون ويرفعون أصواتهم بالتلبية والدعاء، وتمتلئ قلوبهم بالأمن والإيمان والرجاء، ويهتفون بنداء واحد متصاعد إلى عنان السماء: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
كما أن يوم عيد الأضحى هو يوم عظيم مبارك، يلتقي فيه المسلمون على الحب والإخاء، فتقوى صِلاتُهم وتتوثَّقُ أخوَّتُهم، كما تتجلَّى فيه مظاهر الابتهاج والفرح لأهل الإيمان بالثناء على الله تعالى، والشكر على نعمه التي لا تُحصى.
فضل يوم عرفة
يوم عرفة أفضل الأيام، فهو يوم معدود ومَحْفلٌ مشهود، فَيَا لَهُ من يوم عظيم مبارك، وقد ورد فضله في مواضع كثيرة، منها:
في يوم عرفة أَتَمَّ الله نعمته على المسلمين، حيثُ أكمل سبحانه وتعالى لهم دينهم، وأتمَّ عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام ديناً، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس –رضي الله عنهما– قوله: ({الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وهو الإسلام، أخبر الله نبيه –صلى الله عليه وسلم – والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمّه الله فلا ينقصه أبداً، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبداً، وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة،… كما رُوِي عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأيّ آية ؟ قال: قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}، فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله –صلى الله عليه وسلم–، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله –صلى الله عليه وسلم -: عشية عرفة في يوم جمعة ).
وجاء في فضل يوم عرفة، أنه أكثر الأيام خيراً وبركة، لما ورد في فضل صيامه أنه يكفر الذنوب العظام، وتلك نعمة من أجلّ نعم الله على عباده، لقوله –صلى الله عليه وسلم -: «…صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ».
ويوم عرفة يوم عظيم الفضل، يغفر الله فيه الذنوب ويُضاعف فيه الحسنات؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم -: (… وما من يومٍ أفضلُ عند اللهِ من يومِ عرفةَ، ينزِلُ اللهُ تباركَ وتعالَى إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيُباهي بأهلِ الأرضِ أهلَ السَّماءِ، فيقولُ: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ، جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ).
– وقوله –صلى الله عليه وسلم -: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِم الْمَلائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ).
– وقوله -صلى الله عليه وسلم – أيضًا: (مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلا أَدْحَرُ وَلا أَحْقَرُ وَلا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ، قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلائِكَةَ).
عيـد الأضحــى المبــارك
عيد الأضحى المبارك يوم عظيم تفضَّل الله به على الأمة الإسلامية، وشرعه عيداً مجيداً، يستشعر فيه المسلمون نعم الله عليهم، ويذكرون آلاءه وإحسانه إليهم، وحينما يستشعر المسلمون ذلك، يتذكرون النّعمة الكبرى والمِنَّة العظمى ألا وهي نعمة الإسلام، فهو يوم عظيم مبارك، يوم عيد للأمة الإسلامية، وقد ارتبطت الأعياد في الإسلام بمواقف مشهودة وعبادات جليلة، فهناك عيدان في السنة، هما: عيد الفطر ويرتبط بشهر رمضان المبارك، وعيد الأضحى ويرتبط بمناسك الحج المقدسة.
وهو يوم يلتقي فيه المسلمون على صعيد الحبّ والإخاء، يتبادلون أحاديث الودّ والصفاء، فتقوى الروابط الأخوية بينهم، فيحمدون الله عزّ وجلّ على نعمة الإسلام، التي جمعتهم برباطها وألَّفت بين قلوبهم، فترى التَّزاور بين المسلمين من أقارب وأرحام وجيران وأصدقاء، وترى التّكافل الاجتماعي، حيث يحرص الأغنياء والموسرون على رسم البسمة على شفاه الفقراء والأيتام والمحتاجين في هذه المناسبة الكريمة، فأصبح مَثَلُهُم في المَوَدَّة والتَّراحم كمثلِ الجسد الواحد والبنيان المرصوص.
آداب وأحكام عيـد الأضحــى المبــارك نتعرض في مقالنا هذا لبعض آداب وأحكام عيد الأضحى المبارك، ومنها:
– التكبير في العيد: ويكون التكبير في عيد الأضحى (النحر) من صُبحِ يوم عرفة إلى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق وهو الثالث عشر من شهر ذي الحجة رابع أيام العيد، لقوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ }، ولما رُوي عن جابر –رضي الله عنه- قال: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا صلّى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه فيقول: مكانكم، ويقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد – فَيُكَبِّر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
– الاغتسال والتَّطَيُّب والصلاة: الاغتسال والتَّطَـيُّب للرجال، وأما النّساء فَيُشْرع لهنّ الخروج إلى مُصَلّى العيد دون تبرج ولا تطيب، لما ورد أن النّبي –صلى الله عليه وسلم- حثَّ على خروج الرجال والنساء والصبيان إلى مُصَلَّى العيد، ويقصد الرسول –عليه الصلاة والسلام – من ذلك ضرورة تعلّم المرأة ما تحتاجه من أمر دينها، لحديث أم عطية قالت: (أَمَرَنَا تَعْنِي النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ: الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ)، فلا بأس بحضور النساء للصلاة غير متطيبات ولا لابسات ثياب زينة أو شهرة، ومن السُّنَّة الصلاة في مُصلّى العيد إلا إذا كان هناك عذر، فَيُصَلَّى في المسجد، وَيُسْتحب حضور الخطبة لما فيها من الفوائد، كما يُسْتحب للمُصَلِّي أن يذهب إلى مُصَلَّى العيد من طريق ويرجع من طريق آخر، وجميل أن يتبادل المصلون التهنئة بالعيد كأن يقول المسلم لأخيه: (تقبّل الله منّا ومنكم).
– ذبح الأضحية: والأضحية سُنَّة مؤكدة للقادر عليها، وفضلها عظيم لقول الرسول –صلى الله عليه وسلم -: (مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلافِهَا وَأَشْعَارِهَا ، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا)، ويكون الذبح بعد صلاة العيد لقوله – صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذلكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ)، ووقت الذبح أربعة أيام العيد (يوم العيد) وأيام التشريق الثلاثة.
– صلة الأرحام: ومن آداب العيد صلة الأرحام خلال أيامه المباركة، فالرحم مُعَلّقة في عرش الرحمن، من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله، كما جاء في الحديث الشريف أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قال: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَت الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنْ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ،أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ).
وبهذه المناسبة فإننا نتقدم من أبناء الأمتين العربية والإسلامية بأصدق التهاني والتبريكات بحلول عيد الأضحى المبارك، سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن يجعله عيد خير وبركة على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يأتي العيد القادم وقد جمع الله شملنا وَوَحَّدَ كلمتنا وألَّف بين قلوبنا، إنه سميع قريب.
تقبّل الله منّا ومنكم الطاعات، وكل عام وأنتم بخير
وصلى الله على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم – وعلى آله وصحبه أجمعين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

كلنا فداك يا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –

د. يوسف جمعة سلامة* / يقول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ …