الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441ﻫ 11-8-2020م
الرئيسية | ملف | الأضحية في زمن كورونا…. تعبدٌ ومقاصدٌ

الأضحية في زمن كورونا…. تعبدٌ ومقاصدٌ

الدكتور محمد العربي الشايشي * /

 

 

من تكريم الله -عزّ وجل – لهذه الأمة أن جعل لها مناسك وشعائر، ومن بينها شعيرة الأضحية، وهي سنة مؤكدة ثابتة بأدلةٍ متظافرة من القرآن والسنة، وشُرعت لإقامة ذكر الله عز وجل؛ كما قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، كما شُرعت لتحقيق مقصد الامتثال والتعبّد؛ بدليل قوله تعالى: (لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم).

تُخاطب بها الأمة في مجموعها، وإن كان قد تسقط على بعض الآحاد؛ إما لعدم تحصيل ثمنها، أو لأسباب أخرى ظرفية.
والشعائر التعبدية في الأصل لا ينبغي إسقاطها في ذاتها بأي حال من الأحوال، إلا ما كان من قبيل المكمّلات التي تعذّر تحصيلها أو عورضت بما هو أهم ووُجد بديله الشرعي.
والمقصود الأصلي من الأضاحي هو إهراق الدّم تعبّدًا لله، والذبح تقربًا إلى الله هو عبادة مخصوصة؛ بدليل قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ونسكي أي وذبحي.
وهي مقصودةٌ بذاتها في يومها؛ بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم -: (ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم) رواه الترمذي.
وأما لحمُها؛ من أكله، والإهداء منه، والتصدق؛ فهو مقصود بالقصد التبعي.
على أن توجّه خطاب وجوبِها على الآحاد يكون مقيدًا بتحقق شروط وانتفاء موانع، وهما شرطان:
الأول: القدرة عليها، فمن كان عاجزًا عجزًا ماديًا سقطت عنه؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد سعةً فلم يضحِّ فلا يقرَبنَّ مصلّانا) رواه ابن ماجه.
الثاني: توفر أسباب السلامة والوقاية عند مباشرة ذبحها وسلخها وتوزيعها وأكلها… ودليل هذا الشرط هو استقراء صنيع الشريعة في التعبديات؛ الدال على أن الخطاب بالعبادات مقيدٌ بإمكانية أدائها؛ وذلك بأن يتحقق الطوق والاستطاعة وينتفي الضرر المعتبر والمشقة الفادحة؛ الواقعة أو المتوقعة لحظة أداء العبادة أو في الطريق إليها، وإلا خوطب الإنسان -عندئذ – ببدائلها.
أما المشقة البسيطة التي لا تنفكّ عنها العبادة غالبا، فهي مقصودة للشارع، وليست سبابًا شرعيًا مسقطًا للعبادة.
باستثناء الجهاد في سبيل الله؛ فهو عبادةٌ قائمة على إتلاف النفس، ومراعاة عدم إتلاف النفس يرجع بالإبطال على أصل الجهاد؛ لأنه لا يُتصور جهادٌ مع ضمان تحقق سلامة النفس.
وبناء عليه فقد نص الفقهاء -مثلًا – أن الصيام ساقط عن الذي يغلب على ظنه أنه يتضرر به، كمن كان مريضًا مرضًا مزمنًا وأخبره الطبيب أن الصيام يضرُّ به، ومثله الغسل فهو ساقطٌ عمن سيتضرر به، والحج ساقطٌ عمّن لم يتحقق لديه أمن الطريق وخشي على نفسه أو ماله، ومثله من غلب على ظنه أنه سيتضرر بمرضٍ؛ مثل ما حصل لضباعة بنت الزبير -رضي الله عنها – لما جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم – وهي تريد الحج لكنها خائفة من المرض، فرخّص لها في إبطال الحج بعد الشروع فيه إن طرأ لها المرض، وذلك إذا اشترطت على ربّها أن مَحِلَّها حيث حبسها حابسٌ. والصلاة مع أنها عبادة، فقد أدخلت الشريعة الإسلامية التعديل على هيئتها عند التقاء الصفين؛ دفعًا للضرر المتوقع.
وباستقراء الشريعة نجد بأنها قضت بالبدائل في تلك الأمثلة السابقة عند تعذر حصول العبادة، فخوطب تارك الصيام بعذر بالفدية أو بالقضاء في أيام أخر، أو التيمم لمن خاف الضرر من الغسل أو الوضوء، أو المسح على الجبيرة لمن تعذّر عليه غسل الجرح أو المسح عليه، وبالحج في عام قابل أو تمكين المال لمن سيحج عنه بدلًا، لمن تعذر عليه الحج.
ومراعاةً لهذا الشرط وجب على الأمة في مجموعها أن تتخذ التدابير والظروف الاحترازية للوقاية من الفيروس واجتناب العدوى، وأن تسعى وجوبًا في إيجاد هذه التدابير؛ لأن ما لا يتم الوجوب إلاّ به فهو واجبٌ، والأضحية واجبةٌ بالكلّ مندوبة بالجزء.
وهذه التدابير الوقائية الاحترازية ينبغي أن يبادر بها الخيّرين من جمعيات خيرية ومتطوعين وجمعيات الأحياء… وبمرافقة بعض المختصين في البيئة، ويكون كل ذلك بإشراف الجهات الرسمية، ابتداء من ذبحها إلى توزيعها.
وذلك -في نظري – بأن يتم تخصيص أماكن ونقاط رئيسية تُخصص لذبح الأضاحي، ويتمّ تعقيم هذه الأماكن صبيحة العيد، مع ضرورة الكشف والتأكد من عدم إصابة أي فردٍ من هؤلاء القائمين على هذه المهمة؛ ابتداء من الذي يتولى الذبح إلى الذي يتكفّل بإيصالها إلى أصحابها المضحّين أو المستحقين لها من الفقراء والمساكين.
إضافة إلى تعقيم آلات الذبح والأكياس التي توضع فيها الأضاحي.
وإن أمكن إيصالها هذه الذبائح إلى بيوت أصحابها المضحّين فهذا أولى، وإلا وجب جدولة تسليمها وفق ترتيب زمني يراعي التباعد، وليس بالضرورة حضور المضحي بنفسه أو مباشرة ذبحه لأضحيته؛ تجنبًا للازدحام.
وعلى أن تتكفَّل هذه الجمعيات الخيرية على توزيعها على الفقراء.
وليس شرط أن تتم عملية ذبح الأضاحي في يوم واحد؛ بل الثلاثة الأيام كلها وقتٌ للأضحية.
ولو تولت هذه الجمعيات من البداية الوكالة على شراء الأضاحي من أسواق الماشية نيابةً عن أصحابها تقليلًا من دخول الناس على هذه الأسواق لكان ذلك أَسلَم وأَأْمن، على أن تُحفظَ بعد شرائها في أماكن معقّمة.
والفتيا بسقوط الأضحية في حقّ الآحاد ممن لم يضمن ظروف الوقاية عند ذبحها وتعذّر عليه تحقيق هذه الظروف بنفسه ليست ببعيدة؛ لما ذكرناه من دليل استقراء الشريعة الدال على أن الخطاب بالعبادات مقيدٌ بإمكانية أدائها؛ وحينئذٍ يخاطبُ بالتصدق بثمنها استحبابًا، كما يُخاطب بذلك من لم يتجمع لديه المال الكافي الذي يمكّنه من شراء أضحية، أو من لا يجد أضحيةً يشتريها مع توفر ثمنها لديه؛ نظرًا لغلق أسواقها في منطقته.
على أن مناداة البعض بإسقاط شعيرة الأضحية كليةً بحجة خوف العدوى لا يتوافق مع مقاصد الأضحية في الإسلام، بل لا بد من تحصيل هذه الشعيرة.
وحتى لو عُطّلت في حق آحاد الناس لظروف تخصّهم فلا ينبغي تعطيل هذه الشعيرة التعبدية في حق مجموع الأمة كَكُل، بل لابد من إظهارها وإشاعتها؛ ولو على سبيل الكفاية.
كما أنّ دعوة إسقاطها بالكلية يفتح باب الأضحية السريّة بالذبح في الأماكن الخفية بالطرق التقليدية من غير اتخاذ الاحتياطات الوقائية من الفيروس، وهذا ما يزيد من انتشار العدوى.
على أنّه في ظل تزايد أعداد المصابين واكتظاظ المستشفيات بمرضى كورونا، وافتقاد الكثير من المستشفيات لأجهزة التنفس وغيره من العتاد الطبي الضروري لعلاج حالات كورونا، فإذا تعذّر شراء هذه الأجهزة بعد اللجوء للمحسنين وانتدابهم للصدقات والتبرعات، تُخاطب حينئذ الأُسر الميسورة الحال والتي من العادة أن تضحي الأسرة الواحدة منها بعددٍ من الأضاحي، فيمكن أن تُخاطب في مثل هذه الظروف التي نعيشها بالاكتفاء بذبح شاةٍ واحدةٍ لكل أسرةٍ، وتُصرف تكاليف بقية أضاحي تلك الأسرة في شراء هذه الأجهزة الطبية.
وقد حدثني بعض الثقات من الأطباء أنّ من الأشخاص المصابين من مات بين يديه اختناقًا بسبب عدم تحمّله للانتظار؛ نظرًا لوجود طابور كبير من المصابين أمامَه كلهم ينتظر جهاز التنفس الوحيد، الذي استُعمل لشخص مصاب مثلهم.
وتفضيل ثمنها في هذه الحالة الخاصة ليس هو تعطيل للشعيرة من كل وجهٍ، بل هو تفضيلٌ مخصوصٌ في ظرفٍ مخصوصٍ على أشخاصٍ مخصوصين ينتهي بانتهاء موجبِهِ.
والتضحية بالشاة الواحدة للأسرة الواحدة هو رجوعٌ إلى الأصل؛ كما روى مالكٌ في الموطأ عن أبي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ رضي الله عنه قَالَ: (كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ فَصَارَتْ مُبَاهَاةً).
وإحياء الأنفس كما هو معلوم هو شيء فرضه الله -عز وجل – على العباد وهو مقدّم على تحصيل السنة.
ولهذا نص الفقهاء على جواز قطع الصلاة لإنقاذ الغريق، وجواز التخلف عن الجمعة لمن كان يقوم بتمريضِ مريضٍ أو يقوم على شؤونه.
وإحياءُ نفسٍ واحدةٍ هو بمثابة إحياء الأنفس جميعا كما قال تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا)، وينال الإنسان -حينئذ – أجر الصدقة الجارية وأجر إحياء النفس، والأعمال تتفاضل باعتبار أثرها. وقد ينال أجر الأضحية إما بنيته، أو بتشريك أي أحدٍ من المسلمين له في الثواب؛ سواء كان التشريك من القريب المضحي المنفق ولو تطوعًا ممن يُساكنُه، أو أي أحدٍ من المسلمين ذبح شاة ناويًا ثوابها لمن لم يضحِّ من غير أن يدخل نفسه معهم؛ سواء علم به عموم الناس غير المضحين أم جهلوا، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ضحى بكبشين فقال عن الأول: (اللهمَّ هذا عن محمّد وآل محمّد)، وقال عن الثاني: (اللهمّ هذا عمّن لم يضحِّ من أمّتي) رواه أحمد
ولهذا قال الإمام العدوي المالكي في حاشيته على شرح الرسالة في تعداد صور التشريك في الثواب الجائزة: (ثَانِيهِمَا: أَنْ يُشْرِكَ جَمَاعَةً في ضَحِيَّةٍ وَلَا يُدْخِلُ نَفْسَهُ مَعَهُمْ، وَهَذِهِ جَائِزَةٌ من غَيْرِ شَرْطٍ).
نسأل الله تعالى بفضله ومنّه وكرمه أن يُدركنا بلطفه، ويُكرمنا برحمته، وأن يشفيَ مرضانا، ويرحمَ موتانا، ويفرّج كروبَنا، ويقضي حوائجنا، وييسر أمورنا، وأن يجعل أيامَنا بسمةً وحُبورًا، وأعيادَنا فرحًا وسرورًا.
فرُحماك رُحماك يارب العباد؛ إنك على كل شيء قدير.
*عضو الهيئة العلمية الاستشارية العليا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأستاذ الفقه وأصوله بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة

عن المحرر

شاهد أيضاً

السلطان بين القصر والقبر: الربيع العربي والعبث “بصندوق باندورا”.

لطالما اعتبرت مهمة استقراء مختلف الأحداث السياسية كمحاولة تفكيك أحجية أو كتصفح جريدة في يوم …