الجمعة 24 ذو الحجة 1441ﻫ 14-8-2020م
الرئيسية | مساهمات | الشيخ عبد اللطيف سلطاني وجماعة التبليغ الإسلامية

الشيخ عبد اللطيف سلطاني وجماعة التبليغ الإسلامية

أ .د. مرزوق العمري * /

موضوع المذاهب الإسلامية أحد المواضيع التي شغلت بال علماء الإسلام في القديم وفي الحديث؛ ففي القديم عد الأمر مستحدثا ولذا خضع للتقييم الفقهي والعقدي على حد سواء، وقد أفرز هذا التمذهب نمطا من التصانيف على شاكلة كتب الفرق التي أرّخت لهذه المذاهب وقامت بتقييمها والحكم عليها سلبا وإيجابا.
وفي العصر الحديث عصر الإحياء والتجديد تشكلت تيارات جديدة لا هي مذاهب فقهية ولا هي فرق عقدية أو ملل بلغة الشهرستاني، وإنما هي حركات دعوية، استشعرت فتور التدين في المجتمع الإسلامي، وبروز مواقف وآراء فيها ما فيها من المعادة للإسلام لارتباط البلاد الإسلامية بالظاهرة الاستعمارية في ذلك الوقت، فتأسست هذه التيارات حاملة لرؤى دعوية تهدف إلى حماية الإسلام واستمرار الدعوة إليه، ومن هذه التيارات جماعة التبليغ الإسلامية التي تأسست في الهند والتي اختلفت المواقف حولها وحول طبيعة منهجها في الدعوة والإصلاح، ومن الذين ناقشوا هذا الموضوع الشيخ عبد اللطيف سلطاني.
الشيخ عبد اللطيف سلطاني علم من أعلام الجزائر وشيخ من شيوخ الإصلاح فيها، ولد سنة (1320هـ/ 1902م)، بدأ تعليمه في بلدة سيدي عقبة وهي القرية التي تضم مرقد القائد الفاتح عقبة بن نافع الفهري. ببلوغه سن العشرين أي سنة 1922م التحق بجامع الزيتونة بتونس الذي كان قبلة الجزائريين من طلبة العلم في ذلك الوقت، وتتلمذ على يد شيوخ الزيتونة البارزين مثل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وبالزيتونة تحصل على شهادة التطويع سنة 1929م
بعد عودته إلى الجزائر تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 05 ماي 1931م التي أسسها الإمام عبد الحميد بن باديس فانخرط فيها وصار من منتسبيها وعضو مجلسها الإداري، وبعدما تأسس معهد ابن باديس بمدينة قسنطينة سنة 1947م عين مدرسا فيه، ثم انتقل إلى العاصمة الجزائرية واشتغل بالإمامة خلال الثورة التحريرية وفي الاستقلال، كما اشتغل بالتعليم أيضا، وتوفي سنة 1984م ودفن في العاصمة الجزائرية، وخلال هذا المسار الدعوي والتعليمي ترك لنا الشيخ سلطاني عدة مؤلفات هي:
ـ سهام الإسلام.
ـ المزدكية هي أصل الإشتراكية.
ــ في سبيل العقيدة الإسلامية.
ـ مذكرات.
من يتصفح كتابه سهام الإسلام تستوقفه شهادة الشيخ عبد اللطيف في جماعة التبليغ الإسلامية أو جماعة الدعوة والتبليغ كما يتداول ذكرها؛ فمن العناوين الجزئية التي تضمنها هذا الكتاب « جماعة التبليغ الإسلامية « وهو عنوان تضمن جزئية انطوت على موقف الشيخ عبد اللطيف سلطاني من هذه الجماعة في شكل بيان توضيحي لنشأتها وطبيعة عملها وأماكن انتشارها وما حققته من إنجازات دعوية …وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بهذه الجماعة الإسلامية التي تأسست في المجتمع الإسلامي الحديث وتسجل حضورها باستمرار في ساحاته الدعوية.
تطرق الشيخ سلطاني بالحديث عن جماعة التبليغ في معرض حديثه عن العمل الدعوي في هذا العصر وعمن يملك القدرة على الدعوة إلى الإسلام ونشره بين النّاس، في هذا الإطار تحدث عن جماعة التبليغ الإسلامية مشيدا بجهودها في هذا الإطار قائلا:» ومما تجدر الإشارة إليه والتنويه به ما قامت به جماعة مسلمة تأسست في الهند وتسمى جماعة التبليغ»(1).
أما عن طبيعة نشاطها وعملها الذي تميزت به فيفهم من كلامه أنها ليست فرقة جديدة ولا تمثل مذهبا جديدا بقدر ما تمثل جماعة عملها دعوي بحت: « فهي جماعة تدعو إلى الدين، وتعقد الاجتماعات والملتقيات بين الطوائف المسلمة حيث سنحت لها الفرصة وسمحت بذلك الظروف والأحوال» (2). وهذا العمل الدعوي يحتاج بطبيعة الحال إلى تأطير، وهذا ما يستدعي التركيز على الكفاءة البشرية، فالعمل الدعوي يقتضي أن يكون الداعية مؤهلا له حتى يقدم الإسلام بالصورة المطلوبة وقد التفت الشيخ سلطاني إلى هذا الأمر في جماعة التبليغ فقال:» ولها دعاة يتنقلون من قارة إلى قارة لتبليغ الدعوة إلى الدين الإسلامي للناس»(3).
ويذكر الشيخ عبد اللطيف صفات وأخلاق رجال هذه الجماعة فهم يتسمون بالنشاط والعمل الجدي بدون كل ولا ملل، مع السمت الحسن و الأخلاق الإسلامية البادية عليهم، والتنقل عبر الأوطان من أجل الدعوة إلى الإسلام، وكذا التقشف في المعيشة وفي اللباس والتنقل والمحافظة على الزي الإسلامي في غير بلده، وبناء المساجد لتكون محاضن عبادة كي تقام فيها الصلوات و تقدم الدروس التي تبني الوعي وتزكي الأخلاق(4). أما عن خصائص دعوة هذه الجماعة فأشار إلى أنها تقوم على إحياء العمل بالإسلام وإحيائه بين الأمم، والإشادة بفضله على الإنسانية جميعا(5) وهذه المعالم الأساسية للإسلام في بعده العقدي أو في إنجازاته التاريخية، وهذه الخصائص تقدم بأسلوب بسيط ولذا فالخط الدعوي لهذه الجماعة في مده الأفقي كان سهلا يخاطب المسلم بالالتزام بالإسلام بما تيسر له بعيدا عن التنظير الفكري بل في إطار إسلامي أصيل هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كواجب من والواجبات الشرعية. والذي مستنده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني».
ومما اقتضته السياسة الدعوية لهذه الجماعة تأسيسها لفروع في مختلف بقاع الأرض سواء في البلاد الإسلامية أو في أوروبا (6) وهذا لطبيعة الإسلام كرسالة فهو رسالة عالمية، ولطبيعته التاريخية فله وجود في جميع أقطار العالم، وبما أن الهيمنة الحضارية في العصر الحديث صارت للغرب الأمريكي والأوروبي تشكل الاهتمام بالدعوة إلى الإسلام في هذه الأقطار.
من جهة أخرى يسجل الشيخ سلطاني إعجابه بنجاح هذه الجماعة في عملها الدعوي من خلال ما حققته من نتائج ولعل أهمها اعتناق بعض الغربيين للإسلام: «فقد نجحت فيها ـ تلك الأقطارـ نجاحا كبيرا، حيث رجع بواسطتها كثير من المسلمين الضائعين إلى دين الله، وحتى غير المسلمين، فقد هدى الله عددا لا بأس به منهم»(7).
وقد كانت تلك المواصفات وهذا لمنهج الدعوي في نظر الشيخ عبد اللطيف عاملا من عوامل نجاح هذه الجماعة في مجال الدعوة إلى الإسلام وفي مجال الإصلاح الاجتماعي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقترح لأن تنجح أكثر أن تنظم بشكل أحسن وأن تعتمد على الكفاءة فيقول:» هذه الجماعة لو وجدت التنظيم الكافي والرجال الأكفاء لتبليغ الدعوة الإسلامية لكان نجاحها كبيرا وعملها عظيما، يثمر أحسن من أي عمل آخر من نوعه»(8)، واشتراط الكفاءة في الداعية: الكفاءة العلمية والأخلاقية من شروط نجاح الدعوات لما تقتضيه العملية الدعوية من محاورة تقوم على العلم، ومن دراية بحال المدعو حتى يتم استيعابه وتبليغه وتقام عليه الحجة، ويؤدى الواجب الشرعي الذي هو التبليغ.
وهذا أمر اهتمت به الجهود التنطيرية للدعوة الإسلامية في تاريخها المعاصر، يقول الشيخ القرضاوي: «لابد لهذه الدعوة العظيمة الشاملة من دعاة أقوياء يتناسبون مع عظمتها وشمولها، قادرين على أن يمدوا أشعة ضيائها في أنفس الناس وعقولهم وضمائرهم بعد أن تشرق بها جوانحهم هم وتستضيء بها حياتهم»(9)
وفي تتبعه للمسار الدعوي لهذه الجماعة يسجل الشيخ عبد اللطيف سلطاني معاناتها في سبيل الدعوة الإسلامية؛ فعملها الدعوي هذا شأنه شأن أي عمل فكري أو إصلاحي اعترضته حواجز وعراقيل كثيرة، وأبرز أوجه تلك المعاناة ما لقيته من حصار من طرف بعض المسؤولين، فيقول بأنها حوربت في بعض الدول الإسلامية ومنعت من الدخول إليها من طرف حكام تلك الدول نتيجة للخلاف الإيديولوجي بينها وبين قيادات تلك الدول، ولكن ذلك لم يثن لهذه الجماعة عزما؛ فهي تعمل حسب الطاقة والجهد(10).
ورغم هذه التحديات نجد الشيخ عبد اللطيف متفائلا لمستقبل هذه الجماعة في مجال الدعوة الإسلامية فيقول: وعلى كل حال فهي سائرة في طريق النمو والانتشار، وتوسع دائرة نشاطها، ونرجو من الله أن يحقق على يديها نصرا عظيما للإسلام ودعوته الخالدة»(11).
هذه شهادة الشيخ عبد اللطيف سلطاني في جماعة التبليغ الإسلامية ولم يكن من منتسبيها، وهي شهادة تظهرر انصاف السيخ في تقييمه حتى لمن يخالفه غي منهج العمل، وهي شهادة يمكن أن تستثمر في مجال التقريب بين المذاهب الإسلامية، وفي الخطاب الدعوي بشكل عام.
الهوامش:
1ـ عبد اللطيف سلطاني: سهام الإسلام، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، (1980م)، ص211.
2ـ المرجع نفسه والصفحة.
3ـ المرجع نفسه والصفحة.
4ـ المرجع نفسه والصفحة.
5ـ المرجع نفسه والصفحة.
6ـ المرجع نفسه والصفحة.
7ـ المرجع نفسه والصفحة.
8ـ المرجع نفسه والصفحة.
9ـ الدكتور يوسف القرضاوي: ثقافة الداعية، مكتبة وهبة ، القاهرة، ط 10 (1416ه/ 1996م)، ص3ـ4.
10ـ المرجع نفسه، ص211ـ212.
11ـ المرجع نفسه، ص211.
* جامعة باتنة ـ 1

عن المحرر

شاهد أيضاً

أثر ترجمة القرآن الكريم في نشر الإسلام في الشعوب الناطقة بغير اللغة العربية -التجربــــة الـماليــزيـــة أنمــوذجـــا-.

أ. الهادفة العابد /     أثر ترجمة القرآن الكريم في نشر الإسلام. إنّ لحركة …