الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441ﻫ 11-8-2020م
الرئيسية | رأي | الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (5)

الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (5)

د. موسى عبد اللاوي * /

وممَّا زادني ثباتًا أمام محنتي التي كادت أن تُزلزل كياني, وتهز أركاني هو سياحتي في سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم – وفيها تفاصيل ما لاقاه في سبيل الله حتى يبلُغَ نورُ الإسلام إلى الأجيالَ والأقطار، فكم عانى عليه الصلاة والسلام من الحرمان، وقلة المناصرين، وكثرة المستهزئين والجاحدين، وقسوة الناس عليه وعلى أصحابه والغدر والوَحدة، وقد ذاق مَرارة الإخراج من بلده، والتآمر عليه، وتعذيب أصحابه، وإصابته في جسده الطاهر، وفرْض الحرب الظالمة عليه، لكنه رُغم كلِّ ذلك عاش حياة كلها تَوازُن وسلام نفسي، وإيجابية اجتماعية؛ بفضل فَهْمه الدقيق لحقائق الحياة، وصِلته الدائمة بربِّه -عز وجل – وخاصة لامتلاكه قلبًا كبيرًا في صفائه ونقائه وإخلاصه، لا مكان فيه لقسوة ولا ضغينة ولا حِقد، غمره الله بالحب واليقين والطُّهر، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم بقلبه هذا أكبر من كل ما يُلاقيه من صُرُوف الدهر، وهذه وصفة متاحة لكل مؤمن يفقه الاقتداء بنبيه ومعلِّمه وقائده عليه الصلاة والسلام، يتعلَّم منه كيف يعيش بنفس مطمئنة رغم الضرِّ والهمِّ والغمِّ، إنه أمر مُيسَّر وصَعْب المنال في ذات الوقت، لا يَقدِر عليه إلا المُوفَّقون، فلا يبقى في قلوبهم مرارة ولا شعور بالانكسار، ولا أحاسيس سلبيَّة تَدفَعهم إلى العدوانيَّة أو اليأس، بل يستمدون من الله العونَ لتجاوز أوقات الألم؛ أي يُواجِهون المكاره بمزيد من الإقبال على الله والالتجاء إليه، كما لا يغترون بأوقات الفرح والسعادة، فلا تطغى عليهم؛ لعِلْمهم بحقيقة السعادة يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية 64]، ويقول تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية 23].
فليست العبرة إذًا بلذة أو ألم في هذه الدنيا؛ لأن كل شيء فيها زائل، ولكن العبرة بموقع المؤمن عند ربه، ووزنه في مِيزان شَرْعه، وحال مُنقَلبه بين يديه يوم القيامة بهذا يصفو القلب، وتهدأ النَّفس، وتعرف التوازن مهما تقلَّبت الحياة.
وحاجتنا إلى هذا الفَهْم وهذه الوصفة أَوكد وأشد إلحاحًا في غمرة العولمة الطاغية، التي تجلب على الناس ببهارجها وشهواتها وما تَستصحِبه من سيول الفرح والحزن والرخاء والشدة، ولا تكاد تترك للإنسان فرصةً للتفكُّر والتأمل والاختيار.
وإذا كان الإنسان يحتاج في سفره، وقطعه لمسيره يحتاج إلى زاد وراحلة، فإن مما علمتني التجارب في هذه الحياة أنه لا زاد كالإيمان، ولا راحلة كالصبر، ولذلك قال الحسن: (الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كرين عنده) [أخرجه ابن أبي الدنيا].
وقال عمر بن عبد العزيز:(ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعوضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه)[أخرجه ابن أبي الدنيا في الصبر، والبيهقي في شعب الإيمان].
وقال ميمون بن مهران:(ما نال أحد شيئا من جسيم الخير نبيٌّ فمن دونه إلا بالصبر).
وقد قال الشاعر:
ألا بالصبر تبلغُ ما تريدُ
وبالتقوى يلينُ لك الحديدُ.
نعم* وقد قال شيخي العلامة محمد الغزالي -رحمه الله –: (الصبر فضيلة يحتاج إليها كل مسلم في دينه ودنياه، ولا بد أن يبني عليها أعماله وآماله وإلا كان هازلاً.. يجب أن يوطن نفسه على احتمال المكاره دون ضجر، وانتظار النتائج مهما بعُدت, ومواجهة الأعباء مهما ثقلت، بقلب لم تعلق به ريبة, وعقل لا تطيش به كربة, يجب أن يظل موفور الثقة بادي الثبات, لا يرتاع لغيمة تظهر في الأفق ولو تبعتها أخرى وأخرى, بل يبقى موقناً بأن بوادر الصفو لابد آتية, وأن الحكمة ارتقابها في سكون ويقين) [خلق المسلم].
وأنا في محنتي أتمثل بقول الشاعر:
إذا ما رماك الدهر يوما بنكبةٍ
فهيئ له صبراً وأوسع له صدرا
فإنّ مصاريف الزمان عجيبة
فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عُسرا
واستأنست نفسي بما أورده الإمام البوني في (المورد العذب) أنه «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من قِبَلِ الله تعالى: مَن له على الله دين فليقم يأخذ حقه من الله تعالى فيقال ومَن له دين على الله فيقول مَن ابتلاه بما يحزن قلبه ويبكي عينه فيقوم خلق فيقال ليست الدعوى بلا بينة فمن في صحيفته الصبر والرضا فهو ممن له على الله دين، فتأخذ الملائكة بيد الصابرين إلى باب الجنة فيقول رضوان: كيف أفتح لكم وما نصب الله ميزاناً ولا نشر ديواناً؟ فتقول الملائكة: يا رضوان أما سمعت قول الله تعالى: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب»(سورة الزمر الآية 10). فيفتح لهم فيدخلون الجنة ويجلسون على شرفاتها خمسمائة عام يتفرجون على حساب الناس حتى يحكم الله بينهم»[نزهة المجالس ومنتخب النفائس].

يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (4)

د. موسى عبد اللاوي * / وفوائد المحن كثيرة ومنهــا: أنها تظهر لي الصديق من …