الرئيسية | مساهمات | أثر ترجمة القرآن الكريم في نشر الإسلام في الشعوب الناطقة بغير اللغة العربية -التجربــــة الـماليــزيـــة أنمــوذجـــا-.

أثر ترجمة القرآن الكريم في نشر الإسلام في الشعوب الناطقة بغير اللغة العربية -التجربــــة الـماليــزيـــة أنمــوذجـــا-.

أ. الهادفة العابد /

 

 

أثر ترجمة القرآن الكريم في نشر الإسلام.
إنّ لحركة ترجمة القرآن الكريم دورا هاما وأثرا بالغا في انتشار الدين الإسلامي عند الشعوب الناطقة بغير اللغة العربية، وفي هذا الصدد نذكر:
أوّلا: هي السلاح الثاني في الفتوح الإسلامية: فترجمة معاني القرآن الكريم من الأسباب المعينة على دعوة الناس إلى دخول الإسلام، فسماع غير الناطقين باللغة العربية للحق الذي بين طيّات هذا الكتاب العظيم يجعلهم يركنون ويتوقون للتعرّف على هذا الدين أكثر. قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ }[المائدة: 83].
ثانيا: هي أحدى السبل الناقلة لحضارة الأمّة الإسلامية: فترجمة القرآن الكريم هي الحبل الموصل الذي جعل من اللغة العربية لغة الثقافة والمعرفة، لأنها صارت اللغة الوسيطة بين كل الشعوب لنوال العلوم الراقية، بل إنّ ترجمة القرآن على وجه الخصوص أضحت أحد أبرز الوسائل لنقل الحضارات والعلوم والمعارف، فما بالك بعلوم القرآن.
ثالثا: المساهمة في مواجهة التحريف في معاني القرآن الكريم الذي ينقله بعض المترجمين من المستشرقين: فطموح العديد من الدعاة تجاوز فكرة مجرد ترجمة معاني القرآن إلى ترجمة التراث الإسلامي الأصيل، حتى يقرأ العالم عن ديننا كما نفهمه نحن لا كما يفهمه الأعاجم. وهذا يستتبع بالضرورة أن يكون من بين أبناء الأمة عامة والدعاة المخلصين خاصة من يتقن لغات الأمم حتى تأخذ حركة الترجمة جانب الأصالة، وتأمن التحريف، وتضمن الأمانة في النقل والصياغة.
رابعا: المساهمة في مواجهة أعداء الإسلام الذين يسعون إلى ترجمة كتب دياناتهم: إنّ هؤلاء ينشرون دعواتهم المحرفة في كل أنحاء العالم، ولاسيما النصارى، حيث قاموا بترجمة الإنجيل إلى 2200 لغة في القرن الواحد والعشرين. فترجمة القرآن الكريم الذي هو دستور البشرية جمعاء تستحق الصدارة لنشر دين السلام في كل بقاع الأرض.
خامسا: التعرّف على أسرار القرآن ومنهجه في إرشاد البشر إلى طرق صلاح دنياهم وآخرتهم: وهنا تلعب ترجمة القرآن الكريم دورا هامَا من خلال إيصال شتى أنواع الإعجاز القرآني وبيان مقاصده العظمى التي تخدم البشرية، وهنا نستلطف قول ابن تيمية: «والنّاس في مصالح دنياهم يتوسل أحدهم إلى معرفة مراد الآخر بالترجمة وغيرها، فيتبايعون وبينهم ترجمان ويبلغ بعضهم عن بعض ويتراسلون في عمارة بلدهم وأغراض نفوسهم بتراجم الذين يترجمون لهم، وأمر الدين أعظم من أمر الدنيا فكيف لا يتوسلون إلى معرفة مراد بعضهم من دون ترجمة»
معالم من نجاح التجربة الماليزية
في ترجمة القرآن الكريم.
خطت ماليزيا خطى ناجحة في الاهتمام بحركة ترجمة القرآن الكريم منذ القرن السابع عشر، فالشعب الماليزي من الشعوب الناطقة بغير اللغة العربية فهم بحاجة إلى فهم القرآن الكريم وفهم مقاصد الآيات ومعانيها سواء على مستوى المسلمين أو غير المسلمين ودعوتهم للإسلام، خاصة من ناحية ترجمة تفسير القرآن الكريم والاهتمام به. بل إن حركة ترجمة القرآن في ماليزيا كان لها تأثير كبير سنذكره في الآتي:
-أثر حركة ترجمة القرآن في ماليزيا على الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية:
وهنا يظهر التأثير من خلال ثلاث أصعدة:
1- التأثير في الأفكار والمعتقدات: حيث تعدّ دولة ماليزيا من أكبر الدول الأسيوية التي انتشر فيها الإسلام انتشارا كبيرا، والدين الإسلامي هو الدين الأوّل في هذه الدولة.
2-التأثير في الفكر والسلوك: فالشعب الماليزي يضرب مثالا عالميا في السلوك والفكر، ولقد بنى حضارته بخطى ثابتة، فالحضارة الماليزية تعدّ حضارة سلوك بالدرجة الأولى.
3- التأثير في التربية والتعليم. فالتعليم الماليزي قفز قفزة نوعية في سلّم التعليم في العالم الإسلامي وأصبح يملك قصب السبق في التعليم القرآني خاصة وهذا لأنّ أغلب علماء ماليزيا الأوائل في بداية تكوينهم أخذوا العلم من الأزهر ليعودوا لبلادهم فترجموا القرآن وعلومه ونقلوها للأجيال من بعدهم. وفي الوقت الحالي يوجد بماليزيا أزيد من 125 ألف مركز للقرآن، ناهيك عن الجامعات الإسلامية.
ومن هنا أصبح الماليزيون عمومًا وعلماؤهم خصوصًا من أكثر الشعوب المهتمّة بخدمة القرآن الكريم وعلومه وهذا بفضل انتعاش حركة ترجمة القرآن الكريم كعامل أساسي من بين العوامل.
وقفة مع التفاسير القرآنية المترجمة باللغة الماليزية: أخذت التفاسير القرآنية المترجمة باللغة الماليزية ثلاثة أشكال:
1.التفسيرات التمهيدية للنص.
2.الشروح الهامشية.
3.الملاحظات بين السطور.
ومن جهود الماليزيين في هذا الشأن نذكر:
1-ترجمان المستفيد للفنصوري الذي قرأه صاحبه على عبد الملك بن عبد الله في القرن السابع عشر، فكتبه الشيخ عبد الملك بيده، ولكن الكتاب مفقود وأمّا الأصلي فموجود.
2- تفسير نور الإحسان لعمر سعد القاضي، وهو أول تفسير قرآني مطبوع كامل في أربعة أجزاء صدر في أواخر القرن 19 في شمال ماليزيا. تفسير كل القرآن اعتمد على تفسير الجلالين وأنوار التنزيل للبيضاوي وغيرهما.
3- تفسير القرآن الحكيم للشيخ مصطفى بن عبد الرحمن، وهو تفسير من الجزء الأول الى السادس والعشرين من القرآن الكريم.
4- تفسير خلاصة القرآن للشيخ أبو بكر الأشعري
5- تفسير الراوي للحاج يوسف الراوي
6- تفسير البيان في تأويل آيات القرآن للشيخ عبد العزيز بن عبد السلام.
7-خلاصة القرآن للشيخ إسماعيل بن نوام.
8- تفسير الماراوي وهو من أشهر المفسّرين الماليزيين.
9- ترجمة تفسير ظلال القرآن يوسف زكي محمود.
وختاما يمكننا القول أنّ حركة الترجمة لمعاني التفاسير في ماليزيا مازالت حية ولم تتوقف وهي متطابقة ومتزامنة مع الظروف مع الواقع الإسلامي في ماليزيا إلى يوم الناس هذا.
* تخصص تفسير وعلوم القرآن
جامعة الشهيد حمه لخضر، الوادي، الجزائر.
جوان 2020

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلطــــة الإبـــداع وسجـــن الـمراقــبــــة…

د/ عاشور توامة سلطة الإبداع وسجن الرقابة، إن قلبنا طرفي المعادلة صارت سلطة الرقابة وسجن …