الرئيسية | مساهمات | روح الحـــــرف

روح الحـــــرف

م ع/ حديبي عبد الله

تُبْنى اللغة على الحرف، وتتميز به كتابة ونطقا، وتظهر قوة اللغة بالمعاني التي تحملها، فهي تعدد وتصف الاشياء المادية، وتتعدى ذلك عندما تجعلك تشعر بالأحاسيس المعنوية، ولا توجد لغة دَقَّ معناها، وتعدد مبناها، مثل اللغة العربية، وعندما غر ابو العلاء المعري شعره وأعجب بجمال وصفه وأنشد قائلا:
وإني وإن كنت الأخير زمانُه ***لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ
تحداه غلام صغير بقوله: ان الاولين قد جاءوا بثمانية وعشرين حرفا فزد عليهم حرفا ان استطعت، وانى له ان يستطيع، واللغة العربية اشتملت على مخارج الحروف كلها، وقد اكتملت لتحمل الكمال، وتزينت لتحتضن الجمال، وتميزت في ذلك…. جمالا يجعل المرء مشدوها، كل حرف منها له حضوره الخاص به، له روحه التي تميزه، ان حرف الضاد، لا نِدّ له في كل لغات الدنيا، وهو محور العربية وتميزها.
وحروف اخرى ما ان تنطق الحرف الاول من الكلمة الا واحسست بان ذلك الحرف يفلتك الى معاني تناسبه فالحاء يؤدي الى معاني جميلة بامتياز(حلم، حب، حسن، حلاوة، حياء …الخ) والخاء يسحبك الى معاني خطيرة بامتياز (خوف، خيانة، خواء، خسة، خبث …الخ ) فاختيارك للحرف الاول وكانه اختيار للمعنى.
ويطبع بعض الحروف نهاية الكلمات مثل حرف القاف، فيكاد الخطيب ان يتوقف عنده ويتمنى ان تكون تلك العبارة اخر ما يلفظ، ويطبع الهاء والالف السجع فيجعلان له وقعا رائعا عند السامع.
وهكذا…. وكأن لكل حرف عالما خاصا به يجمع بين موسيقى النطق، وتلون الشكل، وروح المعنى، فيأخذ جمال الشكل عند الخطاط، وعذابة اللحن عند الخطيب، وعمق المعنى عند المفكر، هي الحروف نفسها، هي الكلمات نفسها، من زمن الجاهلية الى يومنا هذا، فلماذا عند ما يتغير ترتيبها، تتعدد معانيها، ويتباين جمالها، وكأنها ذهب لا يزيده الزمن الا جمالا وتوهجا .
أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ *** فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلطــــة الإبـــداع وسجـــن الـمراقــبــــة…

د/ عاشور توامة سلطة الإبداع وسجن الرقابة، إن قلبنا طرفي المعادلة صارت سلطة الرقابة وسجن …