الرئيسية | أعلام | الدكتور العيد مسعود تلميذ الشيخ ابن باديس الذي صار أستاذا و مديرا بالجامعـــــة الجزائـــريـــــــة

الدكتور العيد مسعود تلميذ الشيخ ابن باديس الذي صار أستاذا و مديرا بالجامعـــــة الجزائـــريـــــــة

أ / الأخضر رحموني /

من الشخصيات العلمية التي أنجبتها ولاية بسكرة، وتركت بصمتها الواضحة في مجال البحث العلمي والتربوي، خاصة في رحاب الجامعة، وفي حملة التعريب التي شهدتها الجزائر في العقد السابع من القرن الماضي، ورغم ما تركه من أبحاث قيمة خاصة في ما يتعلق بتاريخ الجزائر خلال العهد العثماني، فلا زال اسمه مجهولا عند الطبقة المثقفة، ولم يدرج ضمن الكتب التي تناولت علماء بسكرة أو أعلام منطقة الزيبان، بل أن أهله وأبناء عشيرته لا يعرفون عنه سوى معلومات بسيطة، ولم يكرم حتى من طرف بلدته بإطلاق اسمه على أحد المرافق الثقافية أو التربوية،

 

إنه الدكتور العيد مسعود الذي لا زال بقية من طلبته يتذكرون دروسه ومواقفه الجريئة في معركته مع المنسلخين ثقافيا، وصراعه مع من حاولوا بكل الوسائل الإدارية أن تبقى اللغة الفرنسية هي السيدة في تدريس المواد العلمية بالجامعة الجزائرية.
ولد الدكتور مسعود بن السعيد العيد عام 1926 بمدينة أولاد جلال من ولاية بسكرة. تلقى دراسته الأولى بمسقط رأسه، وبتوجيه من ابن بلدته الشيخ محمد العابد الجلالي انتقل في خريف عام 1939 إلى مدينة قسنطينة للدراسة على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس بالجامع الأخضر، وقد اعتبره بمثابة والده الروحي، والفترة التي قضاها معه هي أزهى الأيام الحاسمة التي ساهمت في تكوين شخصيته. بعد وفاة الشيخ ابن باديس في 16 أفريل 1940 انتقل إلى مدينة تبسة لمواصلة دروسه كبقية الطلبة على يد الشيخ العربي التبسي، ومنها انتقل إلى جامع الزيتونة المعمور بتونس حيث أتم تعليمه العالي حتى تحصل على شهادة التطويع، ولحبه الشديد للعلم انتقل الى مصر للالتحاق بجامع الأزهر الشريف، وكانت رحلته صعبة للغاية، خاصة وأنها تزامنت مع أحداث معركة العلمين الثانية في أكتوبر 1942، حيث اجتاز التراب الليبي مشيا على الأقدام، وقد تم إلقاء القبض عليه من طرف القوات الألمانية بالقرب من مدينة طبرق الليبية بعد وشاية، وأدخل السجن، وعند الإفراج عنه، واصل رحلته على متن الزوارق البحرية.
وقد اختار الدراسة بالأزهر-كما يقول مترجمنا – لأنه (المعهد العتيد محط أنظار الطلاب ومعقد آمالهم، تهفو إليه قلوب أولئك الذين يرغبون في العلم، ويتطلعون إلى الاستزادة من مناهله العذبة، والأخذ عن علمائه المشهورين).
بعد سنوات الجد والمثابرة تحصل على شهادته العالية من كلية أصول الدين في يوليو 1954، بعد نجاحه في امتحانها المنعقد في سنة 1952. ثمّ على شهادة العالمية مع الإجازة في التدريس بجامع الأزهر بعد إجراء الامتحان سنة 1956، وقد صدر القرار بمنح هذه الشهادة مع حقوقها التي تخولها له القوانين واللوائح في 01 أفريل 1957.
عند الإعلان عن الحكومة الجزائرية المؤقتة استدعي للمشاركة في تحرير كلمة الجزائر التي كانت تذاع على أمواج صوت العرب من القاهرة.
انتقل سنة 1961 إلى المملكة العربية السعودية للتدريس بها مدة أربع سنوات.
ثم رجع إلى مصر للالتحاق بجامعة عين شمس، وأتم دراسته بالحصول على شهادة الدكتوراه. وقد كان يزاول التدريس وطلب العلم في الوقت نفسه.
كما انتسب عام 1964 إلى المنظمة العربية للتربية والثقافية والعلوم التابعة إلى جامعة الدول العربية.
في عام 1965 رجع إلى أرض الوطن، والتحق بجامعة الجزائر كأستاذ محاضر، وفي الوقت نفسه كان ينشر مقالات حول قضية العربية والفرنسية في الجزائر على صفحات جريدة الشعب. إلى غاية عام 1966 حيث عين كمدير للمدرسة العليا للآداب للمركز الجامعي بقسنطينة، وفي سنة 1969 عندما تحول المركز الى جامعة عين كأول عميد لكلية الآداب و العلوم الإنسانية بجامعة قسنطينة، والتي كانت تشمل على معاهد الآداب والفلسفة وعلم النفس والتاريخ والجغرافية.


وخلال إدارته للكلية انتدب الأساتذة من الدول العربية منهم: طليمات والعقاد وعفيفي. كما كان له الفضل في تعريب العلوم رغم ما لقيه من ضغوطات من أنصار التعليم باللغة الفرنسية خاصة في الوزارة حيث كانت تتأخر في صرف مرتبات الأساتذة المتعاونين لمدة طويلة بهدف ترك الجامعة غير أن الدكتور العيد مسعود كان يلجأ الى القرض لتأمين معيشتهم والعمل على حل مشكل صرف مرتباتهم.
في عام 1973 تحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة عين شمس بمصر. وفي عام 1976 عين مديرا لمعهد العلوم الاجتماعية وأستاذا محاضرا بجامعة قسنطينة إلى غاية عام 1986.
خلال هذه الفترة أصدر مجلة سيرتا، وهي مجلة تاريخية اجتماعية تصدر عن معهد العلوم الاجتماعية، وهيأة تحريرها تضم نخبة من أساتذة المعهد منهم الدكاترة: عبد الكريم بوصفصاف ومحمد الصالح مرمول وعبد العزيز فيلالي وبلحرش الشريف سلطاني وبوبة مجاني وغيرهم، وقد أطلق على المجلة اسم سيرتا كما يقول الدكتور العيد مسعود (إحياء لاسم قسنطينة القديم، وتذكيرا بأمجاد الماضي، وإيماء إلى ما يجب أن تكون عليه المجلة من عراقة، وإلى ما يجب أن تستوحيه من موضوعات تعبر أساسا عن أصالة الشخصية الجزائرية). وقد نشر بها مجموعة من الأبحاث منها:
– (العلاقات الثقافية بين الجزائر والمشرق في العهد العثماني ) بالعدد رقم 01 الصادر في ماي 1979.
– (حركة التعليم في الجزائر خلال العهد العثماني) بالعدد رقم 03 لسنة 1980.
– (المرابطون والطرق الصوفية في الجزائر خلال العهد العثماني) بالعدد رقم 10 لسنة 1988.
بعدها تولى نفس المهام بجامعة الجزائر العاصمة التي كانت بحاجة ماسة إلى التسيير الإداري والإشراف على رسائل التخرج.
ورغم العروض العديدة التي اقترحت عليه للعمل بالخارج، خاصة في جامعات الدول العربية، ومنها أيضا اقتراحه لمنصب سفير أو عضو بهيئات دبلوماسية، إلاّ أنّه فضل البقاء في وطنه.
وحتى بعد افتتاح جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بمدينة قسنطينة اقترح اسمه للإشراف على إدارتها، غير أنه فضل البقاء مربيا تتخرج على يديه قوافل الطلبة الجامعيين، إلى غاية حصوله على التقاعد الجزئي سنة 1995 ولكنه بقي يلقي الدروس والمحاضرات بالجامعة.
توفي الدكتور العيد مسعود في 10/08/1999 بمدينة أولاد جلال وبها دفن.
من مؤلفاته:
– المجتمع الجزائري في العهد العثماني.
– الصراع من أجل البقاء.
– يوم في حياتي.
– لغة الضاد.
وستكون لنا وقفة مع كتبه في حلقة قادمة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الصوت الذي لا يغيب أحمد القاسمي الخطيب الأريب

د. عاشور توامة / ــــــــــــــ يتعذّر اختزال الفقيد الرجل الصالح الشيخ الإمام الخطيب الفذ أحمد …