الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | بيت المقدس عاصمة التحول الحضاري (4) سيدنــــا إبراهيـــم .. من الفتـــوة الـمغمــورة إلى إمامـــة الـمعمــــــورة

بيت المقدس عاصمة التحول الحضاري (4) سيدنــــا إبراهيـــم .. من الفتـــوة الـمغمــورة إلى إمامـــة الـمعمــــــورة

د.كدير مراد /

مباشرة بعد البداية الزمنية للوظيفة الحضارية الكبرى للإنسان الأول على جغرافية الأرض، سعى سيدنا آدم لجمع رمزية الغايات الحضارية الثلاث الكبرى (تحقيق العبودية لله، الاستخلاف في الأرض، العمران) من خلال أمر الله ببناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى كرمزين للهدى والرحمة والبركة للعالمين، وبقيت المساجد تحت وصاية الأنبياء العظماء وبعدهم الأولياء الأتقياء الأنقياء إلى يوم القيامة.
لقد عاشت البشرية بالغايات الحضارية الكبرى طوال الفترة الذهبية منذ سيدنا آدم متدافعة مع العدو الأبدي الذي عرفه الله للإنسان الذي عاش أولى محطات التدافع بين الحق والباطل وإطلع على نتيجة الخسارة في هذه المعركة التي ميدانها الإنسان في حد ذاته وجغرافية ممتدة امتداد الأرض.
لقد بقي الشيطان العدو الأكبر يتدافع مع البشرية مستخدما أدواته ووسائله وعلمه ومنهجيته التدريجية التراكمية إلى أن نجح في إقناع جزء من البشر عن الحياد عن غاية الوجود الكبرى وتعريف الحياة الحقيقية إفراد العبودية لله عز وجل بعبادة أصنام من غير الله، لكن تظهر رحمة الله ولطفه بأن أرسل للبشرية أنبياء ورسلا من خلقه في هذه الأوقات ليعيدوا تسديد البوصلة وتحرير الانسان من تلك المعبودات وإحياء الناس وتمكينهم من السير على الصراط المستقيم ( المنهج الرباني القويم) الذي هو بوصلة للبشرية عند الضياع. فكان سيدنا ادريس وبعده نوح من أعظم الأنبياء والرسل الذي أعادوا تعريف الحياة وغاية الوجود للبشرية مستخدما الأدوات الدعوية المختلفة جهرا وسرا أفرادا وجماعة، تارة مخاطبا العقل وتارة أخرى الوجدان مذكرا بوحدانية الله وفردانيته. قال تعالى ( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا»
ولد عالم جديد بعد سيدنا نوح، عالم لا يتخذ من دون الله وكيلا، إلا أن المعركة بين الاستخلاف في الأرض والفساد في الأرض دوائر والإنسان حر في اختياره للمشروع الذي يسير فيه على خط الزمن، فمع ذلك عادت البشرية للاستبداد والاستعباد والفساد.
ومع زوال الآثار الروحية الايمانية والعقلية المعرفية وحتى العمرانية المادية المسددة للبوصلة ( قواعد المسجدين) وجهل البشرية بتلك المقاصد ونزولها منزل الأنعام، وتجبر الملوك وتألههم وزيغ المنظومة الأخلاقية وتشظي الجهاز المعرفي للبشرية عبر اعتقادها الألوهية في الكائنات والموجودات دون الله، كان ميلاد فتى مغمور إسمه إبراهيم.
لقد سار سيدنا ابراهيم على سلم الاهتداء، الهدى، الدعوة والعطاء، الابتلاء، الإمامة والتمكين، وهي مراحل كبرى تسير عليها الدعوات المستضعفة الصالحة الصادقة المخلصة لبلوغ مرتبة التمكين والإمامة واستعادة وراثة وخلافة الأرض (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، لقد بذل سيدنا ابراهيم جهدا أسطوريا بالتمايز عن المنظومة الفكرية السائدة والغور في صلاحيتها لقيادة البشرية، فجعل يناقش صدقية المعتقدات الاجتماعية التي ترى في الكون تنازع إرادات وتجعل من المخلوقات كالشمس والقمر آلهة، وكان نتيجة جهد الاهتداء النفسي المعرفي الذي حفر للوصول للقاع المعرفي للإنسانية وصول سيدنا ابراهيم إلى الهدى واليقين اذ يقول تعالى واصفا عملية بذل جهد الاهتداء ( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
لقد كانت نتيجة نيل الهدى واليقين بعد بذل جهد الاهتداء انتقال سيدنا ابراهيم بفتوته الراشدة المغمورة التي يجهله فيها أهل قومه عامتهم وخاصتهم إلى مرحلة الدعوة والعطاء فكان الانطلاق من الدائرة الأولى بعد نواة النفس هي دائرة الاسرة وهي المستوى الثاني لتحقيق الهدى والعبودية لله، فدعى سيدنا ابراهيم أباه وبعدها انتقل للمجتمع الدائرة الثالثة اذ يقول تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) وواصل سيدنا ابراهيم في تدافعه ودعوته وعطاءه مستخدما الدعوة الخطابية الحجاجية سباقا (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) وبعدها الدعوة العقلية الحركية لحاقا (قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ، وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ( ليصل للدائرة الرابعة الدولة والحكم بالتدافع مع النمرود ملك البلاد، متدرجا في مستويات الدعوة والاصلاح الفردي والمجتمعي، دون أن تمنعه فتوته المغمورة، اذ يقول تعالى واصفا شك القوم في سيدنا ابراهيم (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ).
لم يكن سيدنا ابراهيم لينال التكريم الرباني بالوراثة والإمامة على العالمين إلا بعد عملية إصلاح تراكمية انتقلت عبر دوائر الفرد والاسرة والمجتمع والدولة لتصل للأمة والبشرية، وتدرجت عبر الاهتداء والهدى والدعوة والعطاء والابتلاء، لقد نال سيدنا ابراهيم ما ناله نتاج تحقيقه غاية وجوده في الأرض بعد مرحلة الابتلاء اختبر الله فيها إيمانه وعمله لتحقيق الانتقال الحضاري لمجتمعه من الاستعباد الى العبودية لله ومن الاستبداد الى الملك العادل ومن الفساد الى العمران، والابتلاء والاستضعاف والخوف هو بشرى ربانية بقرب التمكين والإمامة والاستخلاف في الأرض بشرط تحقيق العبودية لله « (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
لقد كانت نقطة التحول الكبرى لسيدنا ابراهيم وللرسالة العالمية الابراهيمية الحنفية التي كلفه الله ليست النجاة من النار بل الانتقال بالرسالة إلى بوصلة النجاة والأمن والتمكين والإمامة وبوابة انتقال من دائرة الدولة القطرية والمجتمع الضيق الى رحابة العالمية اذ يقول تعالى»(ونَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) لقد كانت النجاة لسيدنا ابراهيم بتوجيه البوصلة نحو بيت المقدس، فكانت لسيدنا ابراهيم انتقال من أرض خوف ولاأمن إلى أرض أمن وأمان محققا له الله مقصد « (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) وكانت انتقالة من فتوة مغمورة واضطهاد إلى إمامة المعمورة وأرض تمكين، كانت بيت المقدس عاصمة التمكين والامامة والسيادة والقيادة التي جعلت من سيدنا ابراهيم إماما للبشرية.
لقد كانت بيت المقدس التحول الحضاري للرسالة العالمية لسيدنا ابراهيم فكانت بوصلة الأمن والنجاة لا لشخص سيدنا ابراهيم بل للرسالة الربانية وللمشروع الحضاري الذي أرسل الله سيدنا ابراهيم لتحقيقه على المعمورة، وكذلك هي أرض أمن ونجاة وقت الفتن وذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبه: «إنَّهُ كائِنٌ بالشَّأْمِ جُنْدٌ، وبالعِراقِ جُنْدٌ، وباليَمَنِ جُنْدٌ، فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم خر لي، فقال: عَلَيْكَ بالشَّأمِ فإنَّ اللهَ قَدْ تكَفَّلَ لي بالشَّأمِ وأهْلِهِ، فَمَنْ أبَى فَلْيَلْحَقْ بأمِنْهِ وَلْيَسْق بِقَدَرِهِ».
وكانت بيت المقدس انتقالة حضارية للرسالة الابراهيمية من مستويات الفرد والاسرة والمجتمع والدولة إلى رحابة الأمة والبشرية، وانتقالة من الضيق الجغرافي للعراق إلى رحابة جغرافية الاستخلاف الأرض وكان التحول العظيم من فتوة راشدة مغمورة يجهلها أهل العراق إلى إمامة الناس من بيت المقدس وبقاء أمانة الإمامة ووراثة الأرض في ذريته الصادقين الصالحين المصلحين المحقيقن لغاية الاستخلاف في الأرض من بيت المقدس (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )…..
والله أعلم بمراده !

عن المحرر

شاهد أيضاً

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (8) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

د.كدير مراد / انطلق سيدنا موسى عليه السلام ببني اسرائيل على طريق تحرير بيت المقدس، …