الجمعة 24 ذو الحجة 1441ﻫ 14-8-2020م
الرئيسية | وراء الأحداث | لـمــــن تــــدق طــبـــــول الــحــــرب؟!

لـمــــن تــــدق طــبـــــول الــحــــرب؟!

أ. عبد الحميد عبدوس /

أصبحت الجزائر تتوجس بقوة من شبح تقسيم ليبيا، ولذلك حرص وزير الخارجية صبري بوقادوم بعد زيارته الأخيرة لروسيا على التحذير من المخاطر المحدقة بليبيا، وقال في حوار مع قناة (روسيا اليوم): «نحن مصرون على إقناع جميع الأطراف على ضرورة الحفاظ على وحدة ليبيا الترابية والسيادة الكاملة لليبيين كما نحثهم على أن يكونوا يقضين فيما يخص بعض التصرفات التي قد تؤدي طوعا أم لا إلى تقسيم ليبيا».
ورغم أن الوضع في ليبيا يبدو أقرب إلى حالة حرب دولية تخاض بالوكالة بين قوى عالمية وإقليمية وتنفذ عن طريق أطراف ليبية، إلا أن شبح التقسيم ونذر الحرب الأهلية في ليبيا تصاعدت بعد سلسلة من الخطوات والإجراءات والمبادرات التي اتخذتها القيادة المصرية بخصوص القضية الليبية، كان أشدها خطورة اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صباح الخميس16 جويليه 2020بمجموعة من مشايخ وأعيان القبائل من منطقة الشرق الليبي وتصريحه أمامهم بأن: «مصر لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة أي تحركات تشكل تهديدًا مباشرًا قويًا للأمن القومي»، ومن جانبهم، أعرب مشايخ وأعيان القبائل الليبية الحاضرة في الاجتماع عن كامل تفويضهم للرئيس المصري وقواته المسلحة، للتدخل لحماية السيادة الليبية واتخاذ كل الإجراءات لتأمين مصالح الأمن القومي لليبيا ومصر، وبعدها اجتمع البرلمان المصري يوم الاثنين 20جويليه الجاري (2020) وأعلن أنه وافق «بإجماع آراء النواب الحاضرين على إرسال عناصر من القوات المسلحة المصرية في مهام قتالية خارج حدود الدولة المصرية للدفاع عن الأمن القومي المصري في الاتجاه الاستراتيجي الغربي ضد أعمال المليشيات الإجرامية المسلحة والعناصر الإرهابية الأجنبية». وكان الجيش المصري، قد قام بمناورات عسكرية على الحدود الليبية وأعلن يوم السبت، 18 جويليه أن المناورة العسكرية المصرية «حسم 2020» في الاتجاه الاستراتيجي الغربي، تأتي في ظل ما تمر به المنطقة من متغيرات حادة وسريعة.
هذه الخطوات المصرية السياسية والعسكرية المتلاحقة كانت أشبه ما تكون بدق طبول الحرب على مسامع ليبيا الجارة العربية الشقيقة على الحدود الغربية لمصر، أو على الأصح كانت رسالة موجهة إلى حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا ومن ثمة إلى حليفتها تركيا التي سارعت لنجدتها عندما كان اللواء المتقاعد خليفة حفتر حليف مصر والإمارات وفرنسا وروسيا يهدد باقتحام طرابلس العاصمة الليبية.
إن مسار تأزيم الأوضاع في ليبيا جعل الرئيس عبد المجيد تبون يحذر في لقاء مع الصحافة الجزائرية يوم الأحد 17جويليه الجاري من تسليح القبائل الليبية، قائلا : «محاولة تسليح القبائل أمر خطير سيحول ليبيا إلى «صومال جديدة» ووضع شبيه «بالنموذج السوري».
إنّ الجزائر ما فتئت تبذل كل الجهود للوصول إلى حل سياسي سلمي في ليبيا يستبعد التدخل العسكري ويحافظ على وحدة الشعب الليبي وسلامة ترابه الوطني، وتسعى الجزائر من أجل ذلك إلى تحريك آلية دول الجوار الثلاثية (الجزائر- تونس- مصر) المهتمة أساسا بالقضية الليبية والتي تعتبر استقرار ليبيا مؤثرا بشكل اساسي في الحفاظ على أمنها القومي، إلا أن مصر يبدو أنها نحاول ان تنفرد بالحل وتغليب مصلحة حليفها اللواء المتقاعد خليفة حفتر في أي حل مقبل للازمة الليبية.
ففي شهر جوان الماضي(2020) وبعد تلاحق الهزائم العسكرية ضد قوات حفتر في الغرب الليبي، خرجت مصر بمبادرة سميت «مبادرة القاهرة»، وكان الهدف منها إنقاذ حليفها قائد قوات شرق ليبيا من الهزيمة العسكرية الكاملة. وطالبت بوقف فوري لإطلاق النار بعدما كانت تتلكأ في الدعوة إلى ذلك مراهنة على قدرة خليفة حفتر تحقيق نصر عسكري واقتحام طرابلس، ولذلك غضت الطرف عنه عندما هرب في مطلع العام الجاري من اجتماع موسكو لتجنب التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار مع حكومة الوفاق الليبية، وكرر انسحابه و رفضه لتوقيع وقف إطلاق النار في مؤتمر برلين الدولي، وصرح بعد عودته إلى ليبيا أنه: «لا رجوع عن بلوغ الهدف.. ولن نتوقف حتى السيطرة على طرابلس».
وفي شهر ماي ( 2020) الماضي ضغطت مصر والإمارات المؤيدة لخليفة حفتر على أمريكا العضو الدائم بمجلس الأمن لحملها على رفض اقتراح الامين العام للأمم المتحدة انطنيو غوتيريش تعيين الجزائري رمطان لعمامرة وزير الخارجية الأسبق في منصب المبعوث الأممي إلى ليبيا، لأن موقف الجزائر لم يكن يرضي مصر ولم متحيزا لخليفة حفتر.
ولم تتحرج مواقع التواصل الاجتماعي في مصر من محاولة تشويه موقف الجزائر من القضية الليبية وإطلاق الشائعات والمغالطات لإحداث اللبس والريبة من الموقف الجزائري بخصوص القضية، حيث نسبت بعض الحسابات والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات مكذوبة إلى قائد أركان الجيش الجزائري الفريق سعيد شنقريحة بادعاء وقوف الجزائر مع مصر في حال دخلت في حرب مع تركيا في ليبيا، وهي التصريحات التي كذبتها ونفتها بشدة وزارة الدفاع الوطني، في بيان نشر يوم الخميس 23 جويليه الجاري، ووصفتها بـ»الإشاعات والمغالطات الهادفة إلى زرع البلبلة وتوجيه الرأي العام الوطني نحو الاصطفاف خلف أجندات مشبوهة لا تخدم المسعى المشرف والموقف الثابت الذي دأبت الجزائر دوماً على اتخاذه تجاه الوضع في ليبيا، والذي أكد عليه رئيس الجمهورية في عديد المناسبات»، مؤكدة أن «السيد رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، هو السلطة الوحيدة المخولة دستوريا لإصدار المواقف الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية تجاه القضايا الدولية والإقليمية الحساسة».
وفي سياق آخر، فإن مصر التي تهدد بالخيار العسكري في ليبيا اتسم موقفها من قيام إثيوبيا بتعبئة سد النهضة بوداعة الحمامة وجنوح تام للسلم، وأعلنت تمسكها بالحل السياسي والخيار الدبلوماسي في التعامل مع الطرف الإثيوبي، فقبل 21 جويليه 2020 تاريخ الإعلان الإثيوبي الرسمي عن انتهاء المرحلة الأولى من تعبئة سد النهضة ظلت السلطات المصرية تؤكد أن إثيوبيا غير مؤهلة لمباشرة عملية تعبئة سد النهضة دون موافقة مصرية، غير أن إثيوبيا لم تكتف بالإعلان عن تعبئة سد النهضة، بل وظفت التلفزيون الإثيوبي لنشر لقطات الأقمار الصناعية التي تظهر الشروع الفعلي في ملأ سد النهضة وقال وزير المياه والري الإثيوبي إنه «تم تخزين 4.9 مليار متر مكعب من المياه في بحيرة سد النهضة خلال المرحلة الأولى للملء»، أما زميله وزير الخارجية فقد ذهب أبعد من الاكتفاء بالإعلان عن اكتمال المرحلة الأولى من التعبئة بل ادعى أن النيل قد أصبح بحيرة إثيوبية ،وقال في رسالة تهنئة» باللغة الأمهرية للشعب الاثيوبي: «تهانينا.. سابقا كان النيل يتدفق، والآن أصبح في بحيرة، ومنها ستحصل إثيوبيا على تنميتها المنشودة في الحقيقة.. النيل لنا».
ورغم إن مصر التي تسمى «هبة النيل» وتعتمد على مياه النيل بنسبة 98% المقدرة بـ 55.5 مليار متر مكعب وليس لديها مصادر أخرى للمياه، اكتفت بعد الإعلان الإثيوبي عن ملأ سد النهضة بالقول إن مصر طلبت إيضاحا رسميا عاجلا من إثيوبيا بشأن مدى صحة بدء ملء خزان سد النهضة على النيل الأزرق، واتخذت إجراءات صارمة ليس ضد إثيوبيا ولكن ضد المواطن المصري، وتحسبا لأزمة شح المياه القادمة بسبب تعبئة سد النهضة وأصدرت الحكومة المصرية تعليمة تنص على «تفعيل وتغليظ عقوبة الإسراف في استخدام المياه».
من كان يظن أن الأوضاع في مصر التي كانت قائدة الأمة العربية ودول محورية في العالم الثالث ستؤول منزلتها إلى هذا الوضع المؤسف بعد 68 سنة من ثورتها؟.

عن المحرر

شاهد أيضاً

العـــــودة إلـــى الغلـــق فــي مــواجهـــة جـــائحــة كورونــــا

أ. عبد الحميد عبدوس / ما زال المواطنون في الجزائر ينتظرون صدور فتوى حول أضحية …