الجمعة 24 ذو الحجة 1441ﻫ 14-8-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | مُصَلّى باب الرحمة… سيبقى مفتوحاً بإذن الله

مُصَلّى باب الرحمة… سيبقى مفتوحاً بإذن الله

د. يوسف جمعة سلامة*/

أخرج الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».
لقد أصدرت محاكم سلطات الاحتلال الإسرائيلي قبل أيام قراراً بإغلاق مُصَلّى باب الرحمة بالمسجد الأقصى المبارك، وقد رفضت المرجعيات الدينية في مدينة القدس المحتلة هذا القرار الباطل، حيث أكّدت هذه المرجعيات على أن مُصَلّى باب الرحمة جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك، الذي يخصّ المسلمين وحدهم بقرار رباني غير قابل للنقاش ولا للتفاوض ولا للتنازل عن ذرة تراب منه.
وشدَّدت المرجعيات الدينية في بيان مشترك يوم الاثنين الماضي على أن قرار محاكم سلطات الاحتلال الإسرائيلي ليس مُلزماً للفلسطينيين؛ لأن قراراتها باطلة وهي ليست صاحبة اختصاص وليس من حقّها أن تقضي في أيّ أمرٍ يخصّ المسجد الأقصى المبارك، فالمسجد الأقصى أسمى وأغلى من أن يخضع لمحاكم سلطات الاحتلال الإسرائيلي، حيث إن مُصَلّى باب الرحمة جزء أصيل من المسجد الأقصى المبارك، وسيبقى مُصَلّى باب الرحمة مفتوحاً، ولن يُغلق بإذن الله سبحانه وتعالى.
إن سياسة التهويد التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في المدينة المقدسة وصلت إلى قلب المسجد الأقصى المبارك، وهي ماضية في الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك لتهويده، غير آبهة بالمجتمع الدولي ولا بقراراته.
ونحن هنا نؤكد على أن مساحة المسجد الأقصى المبارك تبلغ (144) مائة وأربعة وأربعين دونماً، وهذه المساحة عبارة عن كامل المساحة المُسَوّرة، وتشتمل على جميع الأبنية والساحات والمحاريب، والسُّبُل ، والمصاطب، والقباب ، والأسوار، فالمسجد الأقصى وقف إسلامي، وما فوقه وما تحته وقف إلى يوم القيامة، كما أن محاولات سلطات الاحتلال الإسرائيلي لفرض أمرٍ واقع في المسجد الأقصى المبارك لن تنجح إن شاء الله، في تغيير الحقائق وطمس المعالم الإسلامية والعربية في المدينة المقدسة.
الأقصى… الجامع والجامعة
عند زيارتنا للمسجد الأقصى المبارك نجد أن كل ركن فيه ينطق بماضٍ للإسلام غالٍ عريق:
هنا كانت نهاية الإسراء، ومن هنا عُرِج بمحمد – صلى الله عليه وسلم – إلى السماء.
وإلى هنا جاء عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وخالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وعبادة بن الصامت، ومعاذ بن جبل،وغيرهم من الصحابة الكرام –رضي الله عنهم أجمعين- .
وهنا علّم شداد بن أوس- رضي الله عنه- «معلِّم هذه الأمة»، وهنا قضى عبادة بن الصامت –رضي الله عنه – بين الناس، وهنا نُودي بمعاوية بن أبي سفيان-رضي الله عنه- خليفة للمسلمين.
وإلى هذه الرحاب الطاهرة جاء أئمة العلم يعظون ويدرسون ويتعبّدون: الإمام الأوزاعي فقيه أهل الشام، وسفيان الثوري إمام أهل العراق، والليث بن سعد إمام مصر، ومحمد بن إدريس الشافعي مؤسس المذهب الشافعي.
هذا المسجد كان جامعة إسلامية كبرى امتلأت ساحاته بآلاف الطلاب من كل مكان ، وكان مرتاد العُبّاد والزُّهاد من كل بقاع الأرض.
باب الرحمـة… من أقدم أبواب المسجد الأقصى المبارك
إن باب الرحمة من أقدم أبواب المسجد الأقصى المبارك ويعود إلى العصر الأموي، ومن المعلوم أن باب الرحمة يقع على بعد مائتي متر جنوبي باب الأسباط في الجدار الشرقي للمسجد الأقصى الذي يمثل جزءًا من السور الشرقي للبلدة القديمة، ويبلغ ارتفاعه أحد عشر متراً ونصف، وهو مُكَوَّن من بوابتين، وَمُصَلَّى باب الرحمة داخل المسجد الأقصى المبارك وهو جزء لا يتجزأ منه، وتبلغ مساحة مبنى باب الرحمة اثني عشر دونما من مساحة المسجد الأقصى المبارك البالغة (144) مائة وأربعة وأربعين دونماً، وهو حقّ خالص للمسلمين وحدهم وليس لغير المسلمين حقٌ فيه.
وهو يطلّ على مقبرة باب الرحمة التي تضم قبور العديد من الصحابة والتابعين، وفي مقدمتهم أول قاضٍ للإسلام في بيت المقدس الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وكذلك الصحابي الجليل شَدَّاد بن أوس وغيرهما من عشرات الصحابة –رضي الله عنهم أجمعين -.
وذكر المؤرخ مجير الدين الحنبلي أن حجة الإسلام الإمام الغزالي- رحمه الله- اعتكف في المدرسة النصرية أعلى باب الرحمة وكان يدرس في المسجد الأقصى، وقد ألَّف –رحمه الله – كُتُباً في المدينة المقدسة بعد أن آثر البقاء فيها ومجاورة مسجدها الأقصى، ومن بين مؤلفاته كتابه القَيِّم «إحياء علوم الدين»، والذي قال عنه علماء عصره ومن تبعهم من العلماء: «من لم يقرأ كتاب الإِحْياءِ ليس من الأَحْيَاء»، وقد ألَّفه تحت قبة في ساحات المسجد الأقصى المبارك تسمى اليوم بالقبة الغزالية.
انتصار المقدسييــــن في فتح مُصـَــــلَّى بـــاب الرحمــــة
مازال أهلنا في المدينة المقدسة يذودون عن المسجد الأقصى المبارك صباح مساء، ومن ذلك «هبَّة باب الرحمة» هذه الهَبَّة المباركة التي حدثت في مطلع العام الماضي والتي شكلت انتصاراً جديداً لأهلنا المقدسيين على إجراءات الاحتلال الإسرائيلي وغطرسته، من خلال قيامهم بكسر الحصار عن باب الرحمة وذلك بإزالة السلاسل الحديدية عن بواباته والصلاة فيه لأول مرة منذ ستة عشر عاماً، وهم بذلك قد أحبطوا مخططاً للاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على المنطقة الشرقية للمسجد الأقصى المبارك.
وَتُعَدُّ هذه الوقفة المشرفة للمقدسيين صفحة مشرقة تُضاف إلى سجل الصفحات المشرقة لنضالات شعبنا عبر التاريخ، وما إجبارهم لسلطات الاحتلال الإسرائيلي على إزالة الكاميرات الخفية والبوابات الإلكترونية في العام 2017م وإعادة فتح أبواب المسجد الأقصى بعد ذلك عنّا ببعيد، فقد علّمت المحتل درساً بأن إجراءاته الظالمة لن تمرّ على شعبنا الفلسطيني ولن يوافق عليها إطلاقا،حيث إن المسجد الأقصى بساحاته وأروقته وكل جزء فيه سواء أكان فوق الأرض أم تحتها هو حقٌّ خالص للمسلمين وحدهم، وليس لغير المسلمين حق فيه،وأن مدينة القدس ستبقى إسلامية الوجه، عربية التاريخ، فلسطينية الهوية، ولن يسلبها الاحتلال وجهها وتاريخها وهويتها مهما أوغل في الإجرام وتزييف الحقائق.
ومن الجدير بالذكر أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسعى جاهدة إلى تنفيذ مخططاتها الاحتلالية لتهويد المدينة المقدسة، وفرض السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى من خلال محاولة تقسيمه زمانيًا ومكانيًا تمهيدًا لإقامة ما يُسمى بالهيكل المزعوم لا سمح الله، حيث تقوم بإجراءات يومية ضد أهلنا في المدينة المقدسة من مصادرة هوياتهم وفرض الضرائب الباهظة عليهم، وهدم بيوتهم ، والاعتداء على المقابر الإسلامية وفي مقدمتها مقبرة مأمن الله ومقبرة باب الرحمة ، واعتقال وإبعاد ومنع الشخصيات الدينية والوطنية وسدنة الأقصى وحراسه من دخول المسجد الأقصى والمدينة المقدسة، بالإضافة لحملة الاعتقالات ضد شباب المدينة المقدسة.
واجب الأمة تجاه الأقصى والقدس
إن ارتباط المسلمين بالأقصى والقدس وفلسطين هو ارتباط عقدي، وليس ارتباطاً انفعالياً عابراً ولا موسمياً مؤقتاً؛ لأن حادثة الإسراء من المعجزات والمعجزات جزء من العقيدة الإسلامية، ومن هنا فلا بُدَّ لكل مسلم أن يعي تماماً واجبه والدور المنوط به تجاه المسجد الأقصى والقدس وفلسطين.
إن مسئولية الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك ليست مسئولية الشعب الفلسطيني وحده وإن كان هو رأس الحربة في الذود عنه، إنما هي مسئولية العرب والمسلمين جميعاً في مساندة هذا الشعب والوقوف بجانبه ودعم صموده؛ للمحافظة على أرضه ومقدساته، خصوصاً في هذه الأيام التي يتعرض فيها المسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدسة لمؤامرات خبيثة.
لذلك فإننا نطالب أبناء الأمتين العربية والإسلامية ألاَّ ينسوا مسرى نبيهم محمد- صلى الله
عليه وسلم- وأهله، وأن يعملوا جاهدين على المحافظة على الأقصى والقدس والمقدسات، فالواجب عليهم دعم أشقّائهم المقدسيين في شتى المجالات، كي يبقوا مرابطين ثابتين فوق أرضهم المباركة؛ لأن المواطن المقدسي هو الذي يدافع عن الأقصى والقدس والمقدسات صباح مساء.
وصلى الله على سيدنا محمد T وعلى آله وأصحابه أجمعين.

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

الجزائر… بلد الشهداء والبطولات

د. يوسف جمعة سلامة* / يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ …