الجمعة 24 ذو الحجة 1441ﻫ 14-8-2020م
الرئيسية | اتجاهات | كلام علمي في سنّة الاختلاف

كلام علمي في سنّة الاختلاف

عبد العزيز كحيل /

الاختلاف في الآراء والفهوم والاجتهادات ووجهات النّظر سنة ماضية في خلق الله جميعا، بل هو سنة في جميع الكائنات، وهو بهذا يرسم للكون وللحياة وللدين لوحات ملؤها الروعة تحتضن كل الألوان، والاختلاف شيء والتفرق شيء آخر تماما، والمطلوب من المسلمين أن يجعلوا من الاختلاف عنصرا من عناصر الوحدة والقوة.
في الميدان الديني يُعد الاختلاف في الفروع ضرورة ورحمة وسعة، ولم يأت ثراء الفقه الإسلامي إلاّ من اختلاف التنوّع، وإنكار الاختلاف مجرد تنطع لا يسنده دليل شرعي ولا تجربة واقعية، وسيبقى النّاس يختلفون في تناولهم لآيات القرآن والسنة النبوية ما دامت هناك عقول خلقها الله تعالى مختلفة في القوة والإدراك والتمييز، ولا يكمن الحلّ في منع الاختلاف في الرأي ولكن في جملة من الضوابط والحدود:
-التركيز على المحكمات لا المتشابهات.
-عدم القطع بأن هذا الرأي الفقهي أو قول هذا العالم في مسألة فرعية هو وحده الحق، فهذا زعم كبير ومجرد تنطع وتعصب.
-تجنب الإنكار على الغير في المسائل الاجتهادية.
-يجب على طلبة العلم الشرعي أن يتركوا الأخذ من عالم واحد أو مذهب واحد (ولو سموه مذهب السلف، فهذه عبارة فضفاضة غير محكمة) وأن يتزودوا بالفقه المقارن ويطلعوا على اختلاف العلماء، فهذا أمر مهم جدا لتوسيع الثقافة الدينية يورث سعة الصدر وتقبل الأراء المختلفة وترك التنطع، وقديما قالوا: «العلم يشرع الصدر».
-وهناك أمور غاية في الأهمية في هذا المجال ترفع المستوى وتضيّق مساحة الخلاف وتذيب بالشحناء من نفوس المشتغلين بالعلوم الشرعية هي:الاشتغال بهموم الأمة الكبرى، والتعاون مع جميع المسلمين في المتفق عليه، والتسامح بينهم في المختلف فيه، والكفّ عن المخالف المسلم وعدم إيذائه بأي شكل من الأشكال فهو تحت درع «لا إله إلا الله».
هل يختلف عاقلان حول هذه النقاط؟ رغم ذلك ترفضها التيارات التي تسمى سلفية تماما وتصرّ إصرارا عجيبا على نفي الاختلاف!!! ولا ترضى في مسائل العلم إلاّ برأي واحد هو رأي شيخ من شيوخها، وتُنكر جميع الآراء الأخرى، بل تنكر على العلماء والفقهاء فضلاً عن أتباعهم وتسفه اجتهادات المجتهدين بحديث نبوي واحد جمدت على فهمه، وقد صدّها هذا عن هموم الأمة، حتى رأينا شيوخها يقيمون المعارك الطاحنة على الاحتفال بالمولد النبوي ولا يعنيهم في قليل ولا كثير قضية فلسطين وكشمير والشيشان وما يحدث من مآس في أكثر من بلد إسلامي، وبسبب هذا التنطع توجه سهام التجريح والانتقاص لفحول العلماء ولا تتورع عن ذمهم لأن لديهم اجتهادات تخالف ما عليه شيوخها.
ما كان ليحدث هذا لو تربى طلبة العلم على معاني الإخلاص والتجرد من الأهواء، وتحرروا من التعصب للأشخاص والفِرق وأحسنوا الظن بالمسلمين وتركوا الطعن في مخالفيهم وتجريحهم بأي شكل، وابتعدوا عن الجدال واللدد في الخصومة ونشؤوا في أجواء التحصيل العلمي العميق في ظلال الحوار والنقاش. (راجع كتاب «الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم» للشيخ يوسف القرضاوي).
إنّ ما يسمى السلفية تنكر وجود الاختلاف في الفروع وترى أنّ في كلّ مسألة قولا صحيحا واحدا هو قول شيوخها -أو بتعبير أدق قول واحد من شيوخها – وما دونه فأقوال مخالفة للسنة وبالتالي مرفوضة نهائيا، ومعلوم أن الصحابة اختلفوا في المسائل الفرعية في حياة الرسول صلى الله عليه وسله وبعده، لكن الواقع أنها في حقيقة الأمر تقدّس الاختلاف وتبني عليه كيانها الفكري والسلوكي، وترفض التوافق بين المسلمين والاتفاق بين طوائفهم، فالحق –في نظرها – محصور في رؤيتها أما غيرُها فهو على باطل حتما، لذلك لا يدخل الجنة مسلم إلا إذا كان على مذهبها…من أين أتت بهذا؟ من حديث افتراق الأمة إلى 62 أو 72 فرقة.
تتشبث بهذا الحديث كأنه قرآن كريم وكأنه أصل الأصول وقاعدة القواعد في العقائد الإسلامية، وجعلته مستندها في إخراج المسلمين من دائرة الإسلام، تتلذذ بذلك وكأنها تنصر الإسلام وتخدم الأمة، وهي في الحقيقة تُشبع رغبتها العارمة في تضييق الواسع وتكفير المخالف وتبين بذلك عن مرضي نفسي خطير يعتري شيوخها وأتباعها.
فما حقيقة هذا الحديث وما وزنه؟
-هو حديث رواه أبو داود والترمذي، ولم يرد في الصحيحيْن، وهذا أمر يحتاج إلى توقف ونظر، فالحديث في العقيدة ويتناول مسألة خطيرة جدا لا تخفى على البخاري ومسلم، فلو صحّ عندهما لأورداه، وما إغفالهما له إلا لعلّة تعتريه.
-حتى الترمذي الذي رواه في سننه كأنه أشار إلى عدم قوة سنده بقوله: «حديث غريب»، أي لم يرد إلا عن راوٍ واحد.
بعض روايات الحديث لم تذكر أن الفرق كلّها في النّار إلاّ واحدة وإنمّا ذكرت الافتراق والفرق، لكن الوهابية متمسكة تمسكا شديد بعبارة «كلها في النّار إلاّ واحدة» على أساس أنها هي المقصودة بهذه الواحدة، وقد قال العلامة ابن الوزير اليماني: «وإياك والاغترار بـ» كلها هالكة إلاّ واحدة « فإنّها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، لا تؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة.» (العواصم والقواصم 1/186).
أما الإمام ابن حزم –وهو خبير بالفرق – فقد جزم أن هذه الزيادة موضوعة أي مكذوبة لم يقلها الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
وأما متن الحديث (أي مضمونه ومحتواه) فهو مخالف لمحكمات القرآن والسنة، قال العلماء: «وفي متن هذا الحديث إشكال من حيث أنه جَعَل هذه الأمة التي بَّوأها الله منصب الشهادة على النّاس، ووصفها بأنّها خير أمة أخرجت للنّاس، أسوأ من اليهود والنصارى في مجال التفرق والاختلاف حتى أنهم زادوا في فرقهم على اليهود والنصارى .
هذا مع أنّ القرآن قال في شأن اليهود وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة – سورة المائدة 64 .
وقال في شأن النصارى: «فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة» -المائدة 14 .
ولم يجئ في القرآن عن أمة الإسلام شيء يشبه هذا, بل فيه التحذير أن يتفرقوا أو يختلفوا كما اختلف الذين من قبلهم .
على أن الخبر عن اليهود والنصارى بأنهم افترقوا إلى هذه الفرق التي زادت على السبعين غير معروف في تاريخ الملتين، وخصوصا عند اليهود، فلا يعرف أن فرقهم بلغت هذا المبلغ من العدد.
وللعلماء كلام كثير عميق في معنى الحديث، كلّه تأويل يليق بخير أمة أخرجت للناس، ما عدا شيوخ «السلفية» الذين يؤولونه أسوأ تأويل ليحكموا على جميع المسلمين بالنّار كأن الجنّة خُلقت لهم وحدهم، وقد زاد من جرأتهم تصحيح شيخ الإسلام ابن تيمية للحديث رغم أنّ كثيرا غيره ضعفوه، وحتى الذين حسّنوا سنده حاكموه إلى محكمات الدين فخرجوا به من ظاهره إلى مخارج حسنة، لأنّ الفهم الظاهري يجعل المسلمين أسوا من اليهود والنصارى، وما أسوأ هذا الوصف لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن من مطعن في الحديث سوى هذا لكفاه.
وما أجمل ما قاله شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق: «كل ما يجب على المسلم اعتقاده والعمل به التمسك بالدين عقيدة وشريعة، والبعد عن الأهواء والبدع وزيغ العقيدة وتأیید شريعة الإسلام وإباحة ما أباحه الله ورسوله وتحریم ما حرم الله ورسوله، فمن كان على هذا الفريق كان من جملة الفرق الناجية إن ختم الله له به.»
وللشيخ محمد زكي إبراهيم رسالة لطيفة بعنوان: «أهل القبلة كلهم موحدون، وكل مساجدهم مساجد توحيد، ليس منهم كافر ولا مشرك ولا وثني ولا مرتد وإن قصّر أو أخطأ أوتجاوز.»
قلت: إلاّ من أعلن كفرَه بوضوح أو أتي من الأقوال والأفعال ما لا تأويل له إلاّ الكفر.
ختاما أقول نحن نفرح بتكثير سواد المسلمين لا الكافرين، ويسرّنا دخول المسلمين الجنّة لا النّار، ونبتهج بالاجتماع لا بالتفرق وندعو إلى التقارب لا التباعد وندعو الله للأمة كلّها بحسن المآب لا بالخلود في جهنم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

كــــورونــــا وأزمـــــــة الــثــقــــة

عبد العزيز كحيل / استنتجت من الاستطلاع الذي أجريته على صفحتي على فيسبوك وفي بعض …