الرئيسية | رأي | الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (4)

الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (4)

د. موسى عبد اللاوي * /

وفوائد المحن كثيرة ومنهــا:
أنها تظهر لي الصديق من العدو وتعرفني محبي الصادقين من مبغضي فيظهرون وقت الشدة، أما المحب فيقف بجانبي منصفاً وأما المبغض فيقف ورائي شامتا والشّماتة ليست من خلق المسلم وفي الأثر: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك»، وقد وجدتُ في محنتي أن المحبين يبحثون لي عن عذر، أما المبغضين فيبحثون لي عن عثرة.
فالمنصفون يوازنون الأمور حتى يحكموا بالعدل…أجل ورحم الله القائل:
جزى الله الشدائد عني كل خير
بها قد عرفتُ عدوي من صديقي
وفي النهاية من المحن تأتي المنح ومن فوائد المحن:
أنها تؤدي إلى مراجعة النفس ومعرفة مسارها ومن أين جاءت فأصحح من خلالها مساري، وأقاوم عيوبي وأراجع نفسي، فأعيد حساباتي «ذلك خير وأحسنُ تأويلاً».
أقرب الحق ولا أعاند بالباطل، فأقر بخطئي وأعترف بذنبي وأتوب إلى ربي، لذا فما من مؤمن -رجل أو امرأة – إلا وتَمُرُّ به أوقات ضيق وشدة وعَنَت، ثقيلة مؤلمة، تَطرُد كلَّ معاني الفرح والسَّعة، وتجعل الأُفق مسدودًا، حتى كأن الفرج لن يجد من دون انسداده سبيلاً، تَنفرِد فيها المتاعب والأحزان والآلام بالمكروب، فتكاد ترمي به في أودية القُنوط، وقد تُداهِمه الظُّنون وتَستبدُّ به الشكوك لما يتراءى له في تلك الأوقات من ظُلْم الحياة له، ومن خلل في معنى العدل، أليس يُبصِر حوله الناسَ في سرور وحُبور وضحك وانطلاق؟ فلماذا هو إذًا؟ ثم ما بالهم لا يُحِسون ما يُكابِد، ولا يَلتفِتون إلى معاناته، ويستمرُّون في عيشهم الرغيد، ويبقى هو يُعاني الوَحدة والدموع؟ ما الذي اقترفه من آثام جلَب له كلَّ هذه البلايا؟.
ليس هذا التأفُّف علامة قلَّة إيمان بقدر ما هو دليل ضَعْف الإنسان، هذا الضعف الذي يجعل المهموم يَظُنُّ أن الرزايا قد استبدَّت به وحده، لكن سرعان ما تمثُلُ نُصْب عينيه سنة الله الماضية في الخَلْق: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4] نعم! أدركتُ أن ما أصابني لم يكن ليخطئني، وما أخطأني لم يكن ليصيبني، «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون».
أيقنتُ أنني لستُ وحدي المُستهدَف دون الخَلق، بل هي المكابدة نالتني حين جاء دوري، كما ذاق طَعْمها غيري من الرجال والنساء والفتيان والعجَزة والأتقياء والمفرِّطين، فليست الحياة نهرًا هادئًا هنيئًا مريئًا، بل هي بطَبْعها معاناة وضرٌّ ومِحَن، ولا يَستغرِب ذلك إلا مَن غلبت عليه الغفلة: «لا تَستغرِب وقوعَ الأكدار ما دمتَ في هذه الدار»، فيُشير ابن عطاء إلى أن الدنيا مَشوبة بأنواع الابتلاءات، نعيمها ممزوج بالغصص، وليالي أُنسها قد يعتريها ما يُعكِّر صفوَها، وسهامها لا تستثني بإصابتها أحدًا، وقد تراءى لي في خضمِّ المعركة المستمرة أن أوقات السعادة قليلة قصيرة، بينما تتجاذبني أمواج الابتلاءات والشدائد وتمتدُّ طولاً وعرضًا وعُمقًا، ولكن سرعان ما أنظر إلى الأمور بنظرة أوسع، ومن زوايا أعلى وأرفع، ليتبين لي أن الدقة في الحكم على استيعاب الأشياء ليس من العدل أن نخلص إليه من خلال ما يظهر لنا من زاوية واحدة! ولولا طغيان النظر المحصور في الزاوية الواحدة والمقصور عليها وما يسببه من حجب للأشياء التي قد تُرى وتُبصر من زوايا أخرى، لولا ذلك لأدرك الإنسان حجمَ النعمة واللذة وساعات الهناء، كما أن ما يشتكي منه ليس بالضرورة دليلاً على سَخَط الله عليه؛ لانحرافات لجَّ فيها، وذنوب ملأت أيامه ولياليه، فالبَرُّ والفاجر سواء أمام سُنَّة الامتحان، غير أنها تعود بالفائدة على التَّقِي دون سواه، ثمَّ إذا أيقن أنها عقوبة مُعجَّلة لسوء تصرُّفه مع ربه، فليَعُدها تنبيهًا يَرُده على عجلٍ إليه بعد الغفلة والشرود، فيكون قد استخرج النعمةَ من طيات النقمة، وإن كان قد أنهك جسدَه المرضُ، فهي فرصة ليتضرَّع إلى الله فيزداد منه قُرْبًا، وإن كان يشكو جفاء من الخَلْق، فسيجد العِوَضَ عند رب حليم كريم، يأنس به في وَحدته، وإن كان عاجزًا أمام ظُلْم نزل به لا حيلة له معه، فباب العزيز الجبَّار مفتوح، يتلقَّى الشكوى بالليل والنهار، ويَنتصِر له ولو بعد حين.
ومن شأن جميع حالات الألم والبلاء والضُّر، عندما تَرزَح النَّفْس تحت وطأة الهموم والمصائب، أنها تقود المؤمنَ إلى ساحة المناجاة ورياض الذِّكر، وهو بلسم شافٍ لا يعرف عجائب تأثيره إلا من جرَّب وكابَد عن إيمان وقناعة، فهو لجوء الضعيف إلى ذي القوة المتين، والغارق في جهله إلى العليم الخبير، والمتأفِّف من فَقْره إلى مَن بيده خزائن الكون، يعمر قلبه بمعنى عظمته وقدرته سبحانه، ويُرطِّب لسانه بتسبيحه وحمده واستغفاره، ويتمثَّل طاعته ورضاه في حركاته وسكناته، ذلك هو ذِكْر العارفين، يَغمُر النَّفْس بالطمأنينة والسكينة بعد تزكيتها من طوارئ الشرود والتمرُّد والغفلة، وهكذا حال المؤمن: كلما أخرسه لؤمُه أنطقه كرمُ ربه، وكلما آيستْه أوصافُه أطمعه منَّتُه، ذُلُّه ظاهر بين يديه، وحاله لا يخفى عليه، وهو -سبحانه – يحبُّ سماع أنين المضطرين إليه، وزَجَل المقبِلين عليه، عندما يخلو المؤمن بربِّه وهو مُنهَك بألمه ومعاناته، ويتنصَّل من ادِّعائه وغروره يَلمس التغيير بيده، ويراه في ذاته، فهو يسأل فلا يَخيب، ويستنصر فيَنتصِر، ويتوكَّل فلا يَكِله الله إلى نفسه، ويرغب في فضل الله فلا يُحرَم، ويقف بباب ربِّه فلا يُطرَد، وإلى جَنابه يَنتسِب فلا يُبعَد، ومَن وجد الله فماذا فَقَد؟ رجاؤه لا ينقطع عنه وإن عصاه، كما أن خوفه لا يُزايِله وإن أطاعه، فكيف يخيب وهو أملُه؟ أم كيف يُهان وهو مُتَّكلُه؟.
يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدرس الذي لا ينسى…!(12)

د. موسى عبد اللاوي * / وفي المقابل إذا كان المسلم عابدا طائعا صالحا، ليس …