الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | بيت المقدس عاصمة التحول الحضاري (3) سيدنـــــــا آدم وجغـــرافــيــة الــمنطلــق والـمبتغـــى الحضـــــــاري

بيت المقدس عاصمة التحول الحضاري (3) سيدنـــــــا آدم وجغـــرافــيــة الــمنطلــق والـمبتغـــى الحضـــــــاري

د.كدير مراد /

إن الحديث عن الوظيفة الحضارية لبيت المقدس ومكانتها الاستراتيجية في التحولات الحضارية الكبرى على جغرافية الاستخلاف في الأرض هو واجب حضاري في الوقت الذي تسعى فيه الدوائر المتدافع معها من القوارض الجضارية تقزيم المكانة العقدية والحضارية لقلب الأمة الإسلامية بيت المقدس بهدف إضعاف الرابطة الإيمانية المترسخة المتراكمة بيت شعوب الأمة الإسلامية ومقدساتها تمهيدا لإحكام لا السيطرة فقط عن بيت المقدس كمقدس بل الانطلاق من استغلال مركزيتها الحضارية في صناعة مشهد القيادة العالمية ونحت مستقبل الصراع بين مشروع الاستخلاف في الأرض والفساد في الأرض.
فيكون بذلك تسليط الضوء عن المكانة الحضارية الاستراتيجية لبيت المقدس كعاصمة للتحول الحضاري ليس ردة فعل على سقوطها في يد الصهيونية العالمية وشركائها فحسب وإن كان ذلك أحد واجبات الاستنهاض والتسليح الأخلاقي كما وصفه المؤرخ اليهودي الفرنسي كلود كوهين الخبير في تاريخ الحروب الصليبية عند وصفه المنظومة العلمية التربوية الحركية الكبرى التي أنتجت جيل صلاح الدين الأيوبي. بل محاولة إدراك القيمة الحضارية لبيت المقدس وتجديدها في عالم أفكار الأمة الإسلامية واستثمارها في مشروع الاخراج الحضاري للأمة عبر ربط بيت المقدس لا كعاصمة لفلسطين القطرية بل بوابة انتقال الأمة الإسلامية من هامش التاريخ كمفعول به حضاريا إلى المشي في التاريخ كفاعل حضاري يحقق غاية وجوده على الأرض وجغرافية تدافع حضاري مركزي بين مشروعين مشروع التمكين للبشرية لمزاولة وظيفتها الوجودية ومشروع التمكن من البشرية لتحقيق الاستعباد والاستبداد والفساد.
إن المنهجية المعتمدة في التأكيد على القيمة الحضارية لبيت المقدس تنطلق من القران الكريم والسنة النبوية كمصدر مركزي صنع عالم أفكار المجتمع الفتي الأول للاسلام الذي كان النواة الصلبة للاخراج الحضاري الذي شهدته أمة الإسلام، سواء عبر الربط الايماني والعقدي والسياسي والحضاري بين الأمة الوليدة الجديدة المكلفة والتي كانت استراتيجية نبوية لفتح بيت المقدس تمهيدا للشهود الحضاري أو قيمة القران الكريم كخبر يقين للإطلاع على تاريخ تلك المكانة الحضارية للقدس لدى الانبياء والمرسلين ووظيفتها المركزية لتحقيق رسالة الانسان على الارض. والمنهجية الثانية لتحقيق مقاومة المقاومة التي تعتبر شرطا لتحقيق التغيير المنشود والتي بدورها تحقق الغاية المذكورة من الغور في هذا الموضوع هو بسط محاولات بعض الدوائر البحثية الصهيونية في اللعب على المكانة العقدية لبيت المقدس بهدف حرمان الأمة من سلاح القيادة والسيادة والريادة التي استغلته هذه الاطراف للبقاء والاستقواء على البشرية.
لقد عمدت الدوائر البحثية الصهيونية ومعها كشركاء بعض الباحثين في تاريخ الحروب الصليبية لطمس المكانة العقدية الدينية لبيت المقدس وجعلتها وليدة الاستنفار السياسي والعسكري لبعض الشخصيات السياسية الاسلامية التاريخية بغية تحقيق المجد الشخصي أو الحصول على الشرعية السياسية فيرجع مثلا الصهيوني مرداخاي كيدار سواء في كتاباته أو عبر الفيديو المنتشر في اليوتيوب بعنوان “لماذا لم تذكر القدس في القران؟” بداية المكانة العقدية التي تجمع عليها المصادر الاسلامية الى محاولة جعل القدس مكانا للحج بعد الفتنة التي كانت بينه وبين عبد الله بن الزبير. ولعل ذلك لم يتوقف عند هذه الدوائر بل تسرب لعقول بعض الباحثين العرب للقول واعتماد ذلك سلاح لنزع القدسية عن المسجد الأقصى كأحد أدوات التدنيس والتطبيع من خلال سلب الفطرة وقلب القيم وحلول النظرة الصهيونية.
إن مكانة بيت المقدس العقدية الدينية مثلما رسخه القران في عقول ونفوس مجتمع الصحابة لم يكن منطلقه رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن بعثة رسول الله كانت لاستعادة ولاية المقدسين المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك) فكما اصطفى الله في بعد الزمان أوقات محدودة ففضل الجمعة ويوم عرفة وآيام العيد على سائر الايام وفضل العشر الأوائل من ذي الحجة والأواخر من شهر رمضان على سائر الاسابيع ورمضان على سائر الأشهر، كما أن الله اختار في بعد المكان أماكن خصها بالتقديس والتفضيل ورفعة المكانة على سائر الأماكن فاختار الله المساجد الثلاث البيت الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى المبارك. ولم تكن لتكون لبيت المقدس المكانة والفضل لولا التفضيل الرباني الممتد المتواتر. فأصل المكانة العقدية ممتد منذ نزول سيدنا ادم وبناءه المسجدين الحرام والمسجد الأقصى مع فاصل زمني يقدر بأربعين سنة.
إن أول مهمة لتحقيق الغاية الحضارية الوجودية إفراد العبودية لله لسيدنا آدم بعد نزوله لجغرافية الاستخلاف في الارض تحقيقا لمقصد العمران هو بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك فعثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أول مسجد وضع في الأرض قال: «المسجد الحرام»، قلت: ثم أي؟، قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم بينهما؟، قال: «أربعون عاماً ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصل»،
لقد كان الأقرب تأكيدا وفق المصادر الاسلامية العديدة أن باني المسجد الحرام سيدنا ادم ويكون كذلك هو واضع قواعد المسجد الأقصى المبارك بعد 40 سنة، فالعلاقة الحضارية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ممتدة امتداد البشرية، ويكون الجمع بين سيادة المسجد الحرام كمنطلق لهدى العالمين وتحقيق العبودية لله ويكون مقصد منتهى البشرية ومقصدها لتحقيق الاستخلاف في الارض والامامة وعمران الأرض المسجد الأقصى المبارك، فالمسجد الحرام صرة الأرض ومركزها والمسجد الأقصى المبارك قلب الأرض وبوصلتها القائدة.
لم تنطلق المكانة الدينية العقدية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانت البداية باختصاص الله لهذه الأرض لاستضافة ثان مسجد وضع للناس وأكمل الله تشريفها باختيار الإنسان المكلف الأول بالوظيفة الحضارية لبناءه وتنزيل الهندسة الإلهية المشتركة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى على الأرض، وهذا ما يؤكده المهندس هيثم الرطروط في بحثه الرصين العلاقة الهندسية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
ولعل علاقة البناء والعمران الأولى بهدف تحقيق مقصد العبودية لله والاستخلاف في الارض وقيادة البشرية نحو الله وتمكينها من القيام بوظيفتها الوجودية الحضارية بقيت متوارثة كحق وصاية في الأنبياء جميعا إلى أن وصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقصد بالبناء والعمران لا الجانب المادي فقط بل قبله الجانب الروحي الايماني النفسي والجانب العلمي التصوري العقلي والجانب السياسي الاقتصادي الاجتماعي
لقد بنى سيدنا آدم مركزي إشعاع روحي وايماني وعلمي ممتدان إلى يوم القيامة واختار الله أن يكون المسجدين قبلتين للبشرية لتحقيق مقام الهدى والعبودية لله عزوجل ومنطلقا للانبياء والمرسلين لبث الاشعاع النوراني المتجدد وتخليص الانسان الغافل الجهول الظالم لنفسه الغارق في الظلمات من الفساد وقيادته نحو النور والهدى والعدل والرحمة والبركة، لقد كانت بداية الحضارة الانسانية في صورتها النقية الصافية من هاتين الجغرافيتين جغرافية المنطلق مكة وجغرافية المبتغى والمنتهى بيت المقدس…..
يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة سراج ومعراج (18)/ بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (9) من موسى إلى داود عليهما السلام… الطريق إلى تحرير بيت المقدس

د.كدير مراد / تحققت سنة الاستبدال على جيل كامل من بني اسرائيل من المتساقطين في …