الجمعة 24 ذو الحجة 1441ﻫ 14-8-2020م
الرئيسية | كلمة حق | مسجد محمد الفاتح (آيا صوفيا)

مسجد محمد الفاتح (آيا صوفيا)

أ د. عمار طالبي /

إنّ الفاتح الشهم -رحمه الله – ذهبت به همته الإسلامية إلى أن اشترى تلك الكنيسة البيزنطية التي تسمى آيا صوفيا بماله، وأوقفها على أن تكون مسجدا يعبد فيه الله، ويذكر فيه اسمه، ويوحّده تعالى.
ولما أذن الله للمسلمين بقتال المشركين جعلهم يدافعون لا عن دينهم فحسب، وإنّما على الأديان الأخرى أيضا، فهو دفاع عن الحق، والدين الذي ينتفع به جميع أهل أديان التوحيد، من اليهود والنّصارى والمسلمين، وليس هو دفاعا لنفع المسلمين خاصة (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ط 1420هـ/2000، ج17، ص200) ومعنى هذا أن الآية علّلت الإذن بالقتال بأنّه للدفاع، ودفع الاعتداء على الملل الأخرى، من أن تهدم معابدهم من قبل هؤلاء المشركين، من صوامع، وبيع، ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، حتى لا تمحى دعوة التوحيد، وتمحق الأديان المخالفة للشرك، وهذا مضمـــــــــــــون قولـــــــــــــــــــــــه تعالـــــــــــــى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج/39-40.].
فالصوامع هي معابد الرهبان، والبيع هنا هي معابد المسيحيين، والمراد بالصلوات هنا معابد اليهود، معرّبة عن كلمة: «صلوثا» والمساجد هي أمكنة السجود لله تعالى وهي معابد المسلمين.
وذكر اسم الله فيها يعود على كلّ ما ذكر من المعابد، فلا تذكر أسماء الأوثان، والأصنام، وقال ابن خويز منداد المالكي: «تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذّمة وبيعهم».
ونحن نعجب من الذين ينكرون على المسلمين في تركيا أن يعود المتحف إلى عبادة الله وحده، بدل أن يكون مأوى للآثار، ومنها أصنام الوثنية القديمة، وتماثيل آلهة اليونان، فهل الأفضل لدى إخواننا المسيحيين أن تعود لذكر الله، وتوحيده، وتمجيده، وعبادته، أم تبقى مبنى لا يذكر فيه اسم الله، وربما توضع فيه كما ذكرنا أصنام اليونان وتماثيل آلهتهم.
ثم ألم تحوّل فرنسا مساجد كثيرة في الجزائر إلى اصطبلات للحيوان، وإلى ثكنات، وأشياء أخرى، وهدم بعضها، وخرب تماما؟
ومنها مسجد كتشاوة الذي حوّل إلى كدرائية، بعد أن قُتل المعتصمون به من المسلمين، وكان عددهم حوالي أربعة آلاف، دفاعا عن مسجدهم.
إنّ الكنائس في الغرب اليوم تباع، لخلوها من المصلين، والعجز عن تكاليف القيام بشؤونها، وقد شاهدت بنفسي لما كنت في شمال بريطانيا في مدينة ادنبره بالذات كنيسة أعلنت أنّها للبيع وهذا في سنة 1975-1976، وقد اشترى عدد من الجماعات المسلمة في الغرب كنائس أعلن عنها أنّها للبيع، ولا ضير في ذلك.
وهذه دولة الصهاينة حوّلت مساجد إلى خمارات ومطاعم، وهدم بعضها، ولم تنج المقابر من الاستيلاء عليها، دون أدنى احترام للموتى الذين دفنوا فيها، بل تغتصب جزء من مسجد الخليل، وتحوّله إلى معبد يهودي، ويحاولون كثيرا تخريب المسجد الأقصى، وإبعاد أهله عنه، والهجوم عليه، ومنع المسلمين من الصلاة فيه عنوة بقوة الشرطة، إذا أضفنا إلى ذلك الاستيلاء على منازل العرب واغتصابها، والأراضي الزراعية وغيرها واقتلاع أشجارها من الزيتون وغيره.
فكيف يحتج الفاتيكان، وبعض الكنائس الأرثوذوكسية على إعادة المسلمين لمسجد محمد الفاتح لعبادة الله، الذي يعبده المسيحيون واليهود، ويؤمنون به؟ وقد اشتراها الفاتح.
ونحن نرى بعض قادة المسيحية يسمحون للمسلمين بالصلاة في الكنائس، وهذا شرف لهم، وتسامح يشكرون عليه.
وقد سبق النبي -صلى الله عليه وسلم – أن أذن لنصارى نجران بالصلاة في مسجده بالمدينة المنورة، ولم يمنعهم من ذلك.
وغفل هؤلاء المحتجون عن مسجد قرطبة العظيم الذي حوّل إلى كنيسة، وما يزال إلى اليوم معبدا للمسيحيين، وقد حولت محاكم التفتيش مساجد كثيرة إلى غير عبادة الله، ولم يحترموا وظيفتها وأنّها لعبادة الله، وتمجيده بل ذبحوا المسلمين، وأكرهوهم على المسيحية جبرا، وأجبروهم على أكل الخنزير، وشرب الخمر، وتغيير أسمائهم ثمّ طردهم في النّهاية من الأندلس، ورموا بهم في البحر، ولقد زرت مسجد محمد الفاتح الذي يسمى قديما آيا صوفيا، وما يزال المنبر قائما لكن لا صلاة ولا خطبة، ولا قرآن يتلى، مبنى ميت لا يذكر فيه اسم الله، بعد أن ذُكر ومجّد، وحمّد، وسبح فيه سنين، ونحن نحيي الدكتور القاسمي حاكم الشارقة على موقفه المشرف، كما نحيي مفتي سلطنة عمان الشيخ الخليلي على موقفه حفظهما الله جميعا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مصلحة الضرورة في حفظ النفس

أ د. عمار طالبي / يتساءل النّاس عن فقدان صلاة الجماعة في المساجد التي كانت …