الجمعة 24 ذو الحجة 1441ﻫ 14-8-2020م
الرئيسية | كلمة حق | مصلحة الضرورة في حفظ النفس

مصلحة الضرورة في حفظ النفس

أ د. عمار طالبي /

يتساءل النّاس عن فقدان صلاة الجماعة في المساجد التي كانت عامرة بالصلوات، وقراءة القرآن والمواعظ، وما يشعّ فيها من الروحانية، والخشوع لله تعالى في عبادته في بيوته.
ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ البقرة/114.
فهذا وعيد وتهديد لمن منع مساجد الله وسعى في خرابها، ولكن ينبغي للمسلم أن يدرك مقاصد الشريعة وغاياتها من التشريع، فإن مقاصد الدين كلّها، وأداء الفرائض والواجبات على المكلّف تتوقف على حفظ الصحة إذا دعت الضرورة إلى صيانتها وبقاء وجودها، لأنه كما يقول الإمام الشاطبي: «ولو عدم المكلف لعدم من يتدين ولو عدم العقل لارتفع الدين،» [ج2 ص32].
فبقاء النّفس شرط في الأداء، فإذا تعرض المسلم بصلاته الجماعية لما يتوقع أن مآله العدوى بمرض هذا الجرثوم أو يتحقق أن مآله عدوى نفسه للآخرين أو عدوى الآخرين له، فإنه مطالب بالحذر والابتعاد عن مواطن الخطر، سواء كان ذلك في المسجد، أو السوق، أو في أي تجمع كالمدرسة، والجامعة، أو في المسجد الحرام في مكة، أو في المسجد النبوي في المدينة، بل أكثر من ذلك فإنّ الحج وهو ركن من أركان الإسلام يمنع إلاّ على عدد قليل من سكان المملكة السعودية، والمقيمين من غير السعوديين من الجنسيات الأخرى، ولا يتمكن أي قاصد للحج هذه السنة من السفر إلى الأماكن المقدسة، وهذا كلّه مبني على توقع العدوى في التجمعات الكبرى في الحج، الذي يقصده الملايين من البشر، لأن الحفاظ على صحة المسلمين أمر ضروري في الشرع، فإذا هلك المسلمون فمن يعبد الله إذن؟ أو هلك بعضهم أيضا، وهذا اعتبار للمآلات التي تؤول إليها الأعمال، يقول الشاطبي: «الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية» (الموافقات ج5، ص179)، ومن ذلك أيضا سدّ الذرائع عند المالكية، يقول الشاطبي: «وكذلك الأدلة على سدّ الذرائع كلها» (الموافقات ج5، ص256)، ويقول: «والشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالجزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقا إلى مفسدة (…) بل هو أصل من أصولها» (الموافقات ج3، ص85)، «كالفرار من الفتن، التي فيها سفك الدماء بين المسلمين في الباطل» (الموافقات ج3، ص53).
ويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «ومعنى حفظ النفوس حفظ الأرواح من التلف أفرادا وعموما» بل الحفظ أهمه حفظها من التلف قبل وقوعه، مثل مقاومة الأمراض السارية وقد منع عمر بن الخطاب الجيش من دخول الشام لأجل طاعون عمواس» (مقاصد الشريعة ج3، ص236)، وقع طاعون عمواس سنة 17هـ، مات فيه خمسة وعشرون ألفا، وهذا بعد أن استثار المهاجرين والأنصار، وفيه مات أبو عبيدة الجراح، ومعاذ بن جبل وغيره.
«فقد حذّر السلف من التلبّس بما يجرّ إلى المفاسد، وإن كان أصله مطلوبا بالكل، أو خادما للمطلوب، فقد تركوا الجماعات، وإتباع الجنائز وأشباهها، مما هو مطلوب شرعا» (الموافقات ج3، ص529).
ويقول الشاطبي: «الأشياء إنما تحلّ وتحرم بمآلاتها» (ج3 ص566).
«والنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الفعال موافقة أو مخالفة وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه الفعل، مشروعا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك».
وحقيقة سدّ الذرائع هي: «التوسّل بما هو مصلحة إلى مفسدة» أو «التوسل إلى ما هو مفسدة بفعل ما هو مصلحة» (مقاصد الشريعة ج5، ص183).
إنّ الوسائل تأخذ أحكام ما ينتج عنها، «فالأطباء مثلا، إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه وإلاّ فسد عليهم ما يرمون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟
ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سدّا الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرّمها ونهى عنها» ابن القيم، إعلام الموقعين ج3، ص147.
والحديث المشهور الذي رواه مالك في الموطأ مرسلا، وغيره وهو مصدر لكثير من الأحكام هو: «لا ضرر ولا ضرار» فلا يجوز الإضرار بالنفس، ولا بالغير بالعدوى مثلا: «فإن الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها» (الموافقات ج3، ص185) وتدخل فيه الجناية على النفس، والعقل، ويقول الشاطبي: «إنّ الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾الحج/78، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾البقرة/185».

عن المحرر

شاهد أيضاً

مسجد محمد الفاتح (آيا صوفيا)

أ د. عمار طالبي / إنّ الفاتح الشهم -رحمه الله – ذهبت به همته الإسلامية …