الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | الجزائر… بلد الشهداء والبطولات

الجزائر… بلد الشهداء والبطولات

د. يوسف جمعة سلامة* /

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ*يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).
إنّ الله سبحانه وتعالى يصطفي الشهداء من خيرة الناس، والشهداء قوم أحبهم الله، واختارهم لجواره، فحياتهم لها طرازٌ خاص من التكريم الإلهي كما جاء في الآية السابقة.
والشهداء: جمع شهيد، سُمّي بذلك لأن الملائكة الكرام يشهدون موته فهو مشهود.
والشهيد أرفع الناس درجة بعد الأنبياء والصّدّيقين فقد جاء في الحديث: (أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى الصَّلاةِ وَرَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي، فَقَالَ حِينَ انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ: «اللهُمَّ آتِنِي أَفْضَلَ مَا تُؤْتِي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ»، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الصلاة، قَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟»، قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِذًا يُعْقَرُ جَوَادُكَ وَتُسْتَشْهَدُ فِي سَبِيلِ اللهِ»)
تمرّ بنا في هذه الأيام ذكرى تحرير الجزائر واستقلالها، والتي تأتي في الخامس من شهر يوليو من كلّ عام، وينظر الشعب الجزائري الشقيق لهذا اليوم من العام 1962م باعتباره رمزاً لكل معاني الجهاد والصمود والتحدي للاحتلال الفرنسي الذي دام مائة واثنين وثلاثين عامًا، وهذا الاستقلال لم يكنْ هبةً من المستعمر الفرنسي، بل بفضل التضحيات الجسام التي قدّمها الشعب الجزائري، حيث قَدّم أكثر من مليون ونصف مليون شهيد من خيرة أبنائه.
كما يأتي عيد الاستقلال في هذا العام مختلفاً عن سابقيه، حيث إنه يتزامن مع احتفال الجزائر باسترجاع رفات وجماجم أربعة وعشرين شهيداً من شهداء المقاومة الشعبية ضدّ الاحتلال الفرنسي، بعد احتجازها لأكثر من مائة وسبعين عاماً في متحف الإنسان في باريس، وقد تمّ دفنُها بمقبرة العالية بالجزائر العاصمة، في مراسم مهيبة تقدمها الرئيس/ عبد المجيد تبون وكبار المسؤولين في الجمهورية الجزائرية.
الثــــورة الجزائريــــة الـمبــــاركــــــــة
تُعرف الثورة الجزائرية باسم «ثورة المليون شهيد»، وهي حرب تحرير وطنية ثورية ضدّ الاستعمار الاستيطاني الفرنسي، قام بها الشعب الجزائري بقيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وكانت نتيجتها انتـزاع الجزائر لاستقلالها بعد استعمار شرس وطويل استمرّ أكثر من مائة وثلاثين عاماً.
لقد انطلقت الرصاصة الأولى للثورة الجزائرية في الأول من نوفمبر 1954م معلنةً قيام الثورة بعد حوالي مائة وأربع وعشرين سنة من الاستعمار الفرنسي للبلاد.
وقد بدأت هذه الثورة بقيام مجموعات صغيرة من الثّوّار المزوّدين بأسلحة قديمة وبنادق صيد وبعض الألغام بعمليات عسكرية استهدفت مراكز الجيش الفرنسي ومواقعه في أنحاء مختلفة من البلاد وفي وقت واحد، حيث كانت الجزائر مقسمة إلى مناطق وهي: الأوراس، والشمال القسنطيني، والقبائل، والوسط، والغرب الوهراني.
تلك الثورة لم تكن وليدة الأول من نوفمبر 1954م بل كانت تتويجاً لثورات أخرى سبقتها، ولكنّ هذه الثورة كانت أقوى تلك الثورات وأشملها، وتمخض عنها إعلان استقلال الجزائر بعد ثمانية أعوام من القتال الشرس.
لقد قامت الثورة الجزائرية لِتَرُدّ وبلغة لا تعرف التأويل، بلغة الجهاد والاستشهاد ، على ما قامت به فرنسا بإعلانها بأن الجزائر قطعة من فرنسا، مُكَرِّسة كل طاقتها لتطبيق هذا الحُلُم، وهو مَحْو الشخصية (العربية – الإسلامية) بهدم المدارس ومراكز تعليم اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم، وبفرض اللغة والثقافة الفرنسية على البلاد لتأبيد بقائها من جهة، ولقطع تواصل الجزائريين مع عمقهم الطبيعي العربي والإسلامي من جهة أخرى، ورغم كل ما قامت به فرنسا من أعمال في هذا المجال، فقد رَدّ الشيخ/ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله – عليهم، قائلاً:
شعبُ الجزائر مسلـــــــمٌ*** وإلى العروبةِ ينتســــــــبْ
من قالَ حَادَ عن أصلِهِ*** أو قــالَ ماتَ فقدْ كَذَبْ
فثار الشعب الجزائري البطل (بعربه وأمازيغه) مُحبطاً محاولات المستعمر لتفريقه وتمزيقه، مُوَحِّداً كل قوى وأحزاب العمل الوطني والإسلامي تحت راية جبهة التحرير الوطني ،تلك الثورة التي أتت امتداداً لثورات وانتفاضات أجيال سابقه، بدأت من القرن التاسع عشر ذَوْداً عن الهوية والحرية والوطن الجزائري العزيز، فالوطن مِهَادٌ لا بُدّ منه، في ظله يأتلف الناس، وعلى أرضه يعيش الفكر وفي حماه تتجمع أسباب الحياة.
الجــزائر وفلسطيــن
إنها الجزائر جزائر العزّة والكرامة والشموخ والكبرياء، بلد الشهداء، بلد المليون ونصف المليون شهيد، أمثال ديدوش مراد، والعربي بن مهيدي، وهواري بو مدين، إنها بلد العلماء، أمثال: الأمير/عبد القادر الجزائري، والشيخ/ عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، وعبد الرحمن شيبان –رحمهم الله جميعًا، إنها بلد الجهاد والنضال التي شَكَّلت نبراساً لكل الثوار في العالم.
وما أن كتب الله النجاح والنصر للثورة الجزائرية العملاقة، وإذْ بها تفتح ذراعيها لتحتضن فلسطين الشعب والقضية، حيث أصبحت العلاقات الجزائرية الفلسطينية علاقة متينة ومتميزة، فقضية فلسطين قضية الجزائر الأولى، فقد كانت الجزائر من أوائل الدول التي افتتحت مكتباً للثورة الفلسطينية، كما كانت الثورة الجزائرية مَحَطَّ إلهام للشعب الفلسطيني، فالجزائر دولة ذات ثقل عربي وإسلامي ودولي، ولها تواجد مُشَرّف في جميع المحافل الدولية، حيث اختلط الدم الجزائري بالدم الفلسطيني على أرض الجزائر الطاهرة وفلسطين الحبيبة، ولا ننسى مقولة الرئيس الجزائري المرحوم/ هواري بو مدين: (نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة)، كما لا ننسى دور الجزائر في دعم النضال الفلسطيني عبر تاريخه الطويل في جميع المحافل العربية والإسلامية والدولية وبجميع الصور وبكافة الإمكانيات، كما أن أرض الجزائر الطاهرة شهدت إعلان الاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية سنة 1988م خلال انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، حيث كانت عيون كل الفلسطينيين تتجه إلى بلد المليون شهيد، كما أن الجزائر من أوائل الدول العربية التي تقوم دائماً بالوفاء بالتزاماتها المالية لصندوق الأقصى التابع لجامعة الدول العربية لدعم الشعب الفلسطيني المرابط.
ولا ننسى المواقف المشرفة للشعب الجزائري الشقيق خلال الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة ،حيث أرسلت الجمهورية الجزائرية الطائرات الإغاثية للشعب الفلسطيني المحاصر، وكذلك إرسال الوفد الطبي الجزائري لتضميد الجراح لأبناء قطاع غزة، وكذلك إرسال مئات وحدات الدم لإسعاف الجرحى والمصابين، ليختلط الدم الجزائري بالدم الفلسطيني من جديد كما اختلط عبر التاريخ، وما قوافل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لمساعدة أهلنا في قطاع غزة عنا ببعيد.
كما توجد مئات حالات المصاهرة بين الشعبين الجزائري والفلسطيني، وهذا يقوي الروابط الوثيقة أصلاً بين الشعبين الشقيقين، كما تحتضن الجزائر على أرضها الطاهرة المئات من أبناء الشعب الفلسطيني الذين يعيشون حياة آمنة مطمئنة، يتلقون تعليمهم، حيث إن الحكومة الجزائرية تقدم المئات من المِنَح الدراسية للطلاب الفلسطينيين لإكمال دراساتهم الجامعية والعسكرية، كما يمارسون أعمالهم في مختلف المجالات بكل حرية كأشقائهم الجزائريين.
وأما الدرس الأهم لشعبنا الفلسطيني وفصائله المقاومة، فهو درس الوحدة فالثورة الجزائرية المجيدة لم يُكتب لها النصر إلا بعد تَوَحُّد جميع الجزائريين في بوتقة واحدة، عنوانها جبهة التحرير الوطني، وهدفها تحرير الجزائر من دَنَسِ المحتل.
إننا نتقدم بأسمى آيات التهاني إلى جمهورية الجزائر الشقيقة رئيسًا وحكومة وشعباً بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لاستقلال الجزائر.
وقد تابع شعبنا الفلسطيني المرابط كما تابع العالم أجمع بكل فخر واعتزاز المشهد التاريخي الكبير في استعادة الجزائر لرفات وجماجم الشهداء واستقبالهم في مراسم تاريخية مهيبة، فأيّ مجدٍ وأيّ خلود للشهداء، حيث تمت استعادتها بعد 170 عامًا، وإننا نستلهم منهم الصبر والثبات والصمود والتحدي والعمل على استعادة جثامين شهدائنا الأبرار الذين تحتجزهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي، حيث إنها تمنع ذوي الشهداء من أبناء شعبنا المرابط من دفن جثامين شهدائهم وتحتجزها بما يُعرف باسم مقابر الأرقام.
وفي الختام ألف تحية من أرض الأنبياء إلى أرض الشهداء، ومن أرض المقدسات إلى أرض البطولات، ومن أرض المرابطين إلى أرض المجاهدين، ونحن هنا نُردد قول الشاعر:
حَيِّ الجزائر واخطبْ في نواحيها*** وابعثْ لها الشوق قاصيها ودانيها
نسأل الله أن يحفظ الجزائر وفلسطين وسائر بلاد العرب والمسلمين من كل سوء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

كلنا فداك يا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –

د. يوسف جمعة سلامة* / يقول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ …