الرئيسية | أعلام | مقالات | كيـــــــان الدولــــة منــــاط حفــــظ الديـــــــــن

كيـــــــان الدولــــة منــــاط حفــــظ الديـــــــــن

أ. حمادي عاصم علاء الدين /

الإسلام دين الله الذي جعله آخر رسالة تنظم شؤون البشرية من كل جوانبها وأبعادها، بداية بحياة الفرد انتقالا إلى الأسرة فالمجتمع نهاية بالدولة بل وربط كل هذا بالحركة الكونية الدقيقة، فجعل الترابط هذا ترابطا تكامليا، يؤثر ويتأثر فينتج لنا تناغما منقطع النظير وما هذا بعزيز على العليّ القدير..
فكل انكباب لتطبيق هذا الدين في مستوى واحد دون باقي المستويات، يُعدّ اختزالا لشمولية الإسلام العظيم، ومنافيا لتحقيق رسالته الكلية كونه دينا ينظم حياة العالمين إنسهم وجنهم، برهم وفاجرهم، فالناظر في تشريعات الإسلام يدرك أن منها ما لا يطيقه الفرد فيحتاج إلى تكوين أسرة مثل تربية الأبناء وخدمة الأهل، ومنها ما لا تطيقه الأسرة فتحتاج إلى المجتمع مثل الأعمال الخيرية والنشاطات الثقافية، ومنها ما لا تطيقه طاقات المجتمع متفرقة فتحتاج إلى كيان تتنظم فيه يوزع طاقاتها المادية والبشرية على حسب الاحتياج الحاصل، وهذا الدور لا يقوى على حمله إلا الدولة ومؤسساتها
فلا تحقيق للشريعة كما ينص الإسلام إلا إذا كانت هناك دولة قوية تفرض النظام وفقا لما تنص عليه تلك الشريعة، فتحلّ ما أحل الله وتحرّم ما حرّم، وتحفظ حقوق كل مكونات المجتمع بالقسط والعدل، وتفرض الواجبات أيضا بالقسط والعدل، فلا يسع الفرد ولا المجتمع أن يحقق مفهوم الجهاد عمليا دون دولة تنظم هذا الشأن بل يعد مستحيلا إذ أن كل محاولة فردية في تحقيق هذه الفريضة العظيمة يكون مآلها الفوضى وكثرة التأويلات وسهولة الاختراقات، ولا يسع الفرد والمجتمع تطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصرامة وفعالية لقصور في مستوى الإلزام إذ لا يملك أي منهما السلطة على تقويم سلوكات الناس وكثيرا ما يتم الاكتفاء بتقييمها فقط، وعندئذ تبقى هذه الفريضة -التي تضمن خيرية أمة الإسلام- تتفاوت حسب القدرة المادية والمعنوية لمطبقها و تتخذ طبيعة سائلة لا تعدو درجة (النصيحة) غير الملزمة، وهذا ما قرّره أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال :”يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”
وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم نجد خطابه يربط دوما الفلاح بالجماعة المنسجمة والخسران بالفردانية المنقسمة، فسورة العصر توضح لنا أن الإنسان الفرد في خسران أكيد والاستثناء للجماعة المومنة العاملة التي تتناصح فيما بينها وتشد أزر بعضها البعض، وهذا المعنى متكرر في أكثر من موضع في القرآن الكريم، فالإنسان بمفرده خُلق هلوعا وجزوعا إلا إذا انضوى في جماعة المصلين المنضبطين بتعاليم الدين..
فلزوم الجماعة يعمل به كل المجتمعات البشرية بل وحتى الحيوانية كمملكات النحل ومملكات النمل،
وإن قول الله تعالى: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً}[سورة التوبة: 36] تقرير منه سبحانه وتعالى على أن المجتمعات كلها تدرك أن سبيل التفوق يكون في التوحّد والانتظام وفق مرجع فكريّ بيّن تحافظ عليه مؤسسات الدولة، وإشارة أيضا إلى أن كل الجهود دون دولة تبقى قاصرة على تحقيق كثير من الأعباء تجاه المجتمع، فمثلا لا يمكن استخراج الثروات وتقسيمها بالعدل ومراقبة ذلك إلا عبر مؤسسات تتمتع بالسلطة، والتي يمنحها كيان الدولة إياها
ولكن علينا معرفة شكل الدولة التي يقصدها الإسلام
أكيد هي ليست دولة الفرد المتسلط الملبي لرغباته والباني لأمجاده الشخصية ولو على حساب مجتمعه، أكيد هي ليست دولة القبيلة التي تكرس العصبية، وتأجج حميّة الجاهلية، أكيد هي ليست الدولة التي تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، أكيد هي ليس الدولة التي تعطي الدنية في قيمها ومبادئها، أكيد أيضا أنها ليست الدولة المتهورة التي لا تراعي الواقع والمآلات وفق كليّات شرع الله عز وجل، بل هي دولة سليمة العقيدة، قوتها شديدة، ترقى بالأخلاق والعلوم، وتعين الكلّ والمعدوم، يكون فيها القويّ ضعيفا حتى يؤخذ الحق منه، دولة ترى الصدق أمانة، والكذب خيانة، تسد ذرائع الفساد، وترسي العدل فتقطع دابر الاستبداد،دولة تسير على أركانها الأربع: العلم والقيم والجيش والاقتصاد، وكلّ ركن منها يكون فيه هشاشة يجعل سيرها سير الأعرج، وهيهات أن ينجو الأعرج من رصد الضباع الجائعة، فأنيابها مشحوذة، وأخلاقها منبوذة، فحريّ بدولة الإسلام أن تعدّ وتستعدّ فكما قال الشيخ البشير الإبراهيمي رحمة الله عليه: إن مادة عدا يعدو لا تنسخها مادة دعا يدعو، بل تنسخها مادة أعدّ يعدّ واستعد يستعدّ” فما أعمق هذا القول في معناه ومبناه، فهلّا أخذنا به لنبني دولة تصلح كل ما فات، وتتحلى بتلك المواصفات؟؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

أزمة المفهومية الإسلامية في رؤية الرئيس ماكرون!!

خير الدين هني / الرئيس ماكرون لم يحسب لمقولته المعادية للمسلمين من الوجهة السياسية والإستراتيجية، …