الرئيسية | العالم الإسلامي | بعد أقل من 40 سنة من سقوط القسطنطينية وفتح آيا صوفيا الـمسيحيون ينتقمون بتحويل مسجد قرطبة إلى كاتدراليــة

بعد أقل من 40 سنة من سقوط القسطنطينية وفتح آيا صوفيا الـمسيحيون ينتقمون بتحويل مسجد قرطبة إلى كاتدراليــة

فاروق الصايم /

 

بعد الفتح الإسلامي للقسطنطينية وتحويل معبد آيا صوفيا إلى مسجد عام 1453، بعد ذلك بحوالي 40 سنة، انتقم الكفرة.
فُتحت الأندلس سنة 92هـ، وبعد هذا الفتح انتشر الإسلام في كافة أرجائها، فأقام المسلمون فيها دولة استمرّت لمدّة 8 قرون، وكان عبد الرحمن الناصر خليفة المسلمين آنذاك، وممّا يُذكر أنّ الأندلس كانت من أكثر دول العالم تحضّراً وثقافة، حيث عاش فيها المسلمون بسعادة وغنى؛ فقد امتازت هذه المدينة بخصوبة أراضيها، وبوفرة مياهها العذبة، وباعتدال مناخها، هذا فضلاً عن توجّه أبناء الأغنياء الأوروبيين للدراسة في مدارسها وجامعاتها، فكانوا يفخرون بتتلمذهم على يد أساتذة وعلماء العرب والمسلمين، كما كانوا يستخدمون الألفاظ العربية؛ حتى يُقال بأنّهم مثقّفون ومتعلّمون، وقد كان ملوك وأمراء الممالك النصرانية في شمال إسبانيا يطلبون مساعدة حكام الأندلس في حلّ صراعاتهم الداخلية، ونتيجة لهذا كانت تتدخل الجيوش الإسلامية، وتغيّر من وضعهم السياسيّ، مقابل الحصول على أحصنة وأراضٍ، ولكن هذه القوة لم تدم في الأندلس؛ إذ بدأت تضعف شيئاً فشيئاً.
وتضاءل حكم المسلمين في الأندلس حتى انحصر في مملكة غرناطة، إلى أن سقطت سنة 1492م، وذلك بعد توقيع الملك أبي عبد الله الصغير معاهدة استسلام مع الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، فانتشرت محاكم التفتيش التي كانت تحرق كلّ مسلم، وبذلك كانت نهاية الوجود الإسلاميّ في الأندلس، ولا بد من الإشارة هنا إلى أنّ سقوط الأندلس استغرق قرونا عديدة حتى ضاعت من قبضة المسلمين، وبالتالي فهذا يدلّ على طول نفس أعداء الإسلام الذين استمرّوا في زعزعة كيان الدولة الأندلسية حتى أضحت ملكاً لأعداء الإسلام.
ومباشرة بعد سقوط الأندلس تحولت مئات المساجد التي سلمت من التهديم إلى كنائس، وأكبر وأعظم مسجد في تلك الحقبة كان مسجد قرطبة، الذي تحول إلى كاتدرالية، هذه (كاتدرائية – جامع قرطبة) هي مسجد سابق وحاليًا كاتدرائية كاثوليكية تسمى بكتدارئية سيدة الانتقال، تعرف من قبل سكان قرطبة باسم كاتدرائية مـِسكيتا وكلمة مـِسكيتا (باللغة الأسبانية Mezquita) تعني مسجد باللغة الإسبانية. الكاتدرائية هي مقر مطران أبرشية قرطبة، الكلمة في الأصل يونانية نقلت إلى السريانية: أَفِيسْقُوفُو ومنها عُربت بأسقف. والأسقف هو الأب المسؤول عن عدد من الكنائس داخل إقليم معين ويترأس القسوس والقمامصة القائمين على تلك الكنائس، ويتخذ الأسقف عادة الكنيسة الكبرى في الإقليم مقرا له وتعرف في هذه الحالة بالـ(كاتدرائية) ويوضع في جميع الكنائس كرسي خاص بالأسقف تقديرا لقامته الدينية، ولأهمية تلك الرتبة الدينية فإنه يتم اختيار الأسقف من بين الرهبان (القساوسة والقمامصة المتبتلين ساكنى الأديرة).
وتم إدراج هذه الكاتيدرالية في قائمة مواقع التراث العالمي، كما تصدر سنة 2007 قائمة كنوز إسبانيا الإثنى عشر.
كان موقع الكاتدرائية في الأصل معبدًا وثنيًا، ثم تحولت إلى كنيسة مسيحية على زمن القوط الغربيين، ثم إلى مسجد خلال الحكم الأموي في الأندلس حيث تحول المبنى إلى مسجد، ثم بنى مسجد جديد في الموقع.[2] بعد حروب الاسترداد كما يسميها الأسبان، حول الإسبان المسجد إلى كنيسة، وتتبع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، شكلت الكاتدرائية نموذجا لتداخل فن العمارة الإسلامية والمسيحية. وتعتبر كاتدرائية قرطبة بوصفها واحدة من المعالم الأثرية الأشهر للعمارة الإسلامية في إسبانيا.
لقد تم بناء هذا الجامع خلال قرنين ونصف قرن تقريبا، ويرجع تأسيس المسجد إلى سنة 92 هـ 710_711 ميلادي عندما اتخذ بنو أمية قرطبة حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس، حيث شاطر المسلمون المسيحيين قرطبة كنيستهم العظمى، فبنوا في شطرهم مسجداً وبقي الشطر الآخر للروم، وحينما ازدحمت المدينة بالمسلمين وجيوشهم اشترى ولم يغتصب القطعة عنوة كما يفعل غير المسلمين، نعم اشترى عبد الرحمن الداخل شطر الكنيسة العائد للروم مقابل أن يُعيد بناء ما تمّ هدمه من كنائسهم وقت الغزو، انظر أيضا إلى سماحة الإسلام في إعادة بناء ما هدم أثناء الحرب على نفقة الدولة.
وقد أمر عبد الرحمن الداخل بإنشائه سنة 785م وكانت مساحته آنذاك 4875 متراً مربعاً وكان المسجد قديماً يُسمى بجامع الحضرة أي جامع الخليفة أمّا اليوم فيُسمى بمسجد الكاتدرائية بعد أن حوله الأسبان كاتدرائية مسيحية. أهم ما يميز هذا الجامع ويجعله فريدا في تاريخ الفن المعماري أن كل الإضافات والتعديلات وأعمال الزينة، كانت تسير في اتجاه واحد وعلى وتيرة واحدة، بحيث يتسق مع شكله الأساسي.
كان الشكل الأصلي لمسجد عبد الرحمن عام 170 هـ، 786 ميلادي،-787 يتألف من حرم عرضه 73.5 متر، وعمقه 36.8 متر، مقسم إلى 11 رواقاً، بواسطة 10 صفوف من الأقواس، يضم كل منها 12 قوسا ترتكز على أعمدة رخامية وتمتد عمودياً على الجدار الخلفي. وهذه الصفوف تتألف من طبقتين من الأقواس، الأقواس السفلى منها على شكل حدوة فرس، والعليا تنقص قليلاً عن نصف دائرة، وهي تحمل سقفاً منبسطاً، يرتفع مقدار 9.8 أمتار عن الأرضية وفوقها 11 سقفاً جمالياً متوازياً، بينها أقنية عميقة مبطنة بالرصاص. والحرم ينفتح على الصحن بواسطة 11 قوسا حدويا، ترتكز على عضائد على شكل T. والصحن عرضه 73.21 مترا وعمقه 60.7 مترا.
للجامع باب غربي وباب شمالي، على المحور الشمالي الجنوبي، كما له على الأرجح باب شرقي متوافق مع الأول. وكان للحرم باب واحد يعرف اليوم باسم (بوير تادي سان استيبان)، وللحرم أيضاً 3 دعائم شرقية وغربية، تبرز 1.5 متر، ودعامتان ركنتيان وعلى الأرجح 10 في الجانب الجنوبي، لتتحمل ضغط صفوف الأقواس. وسمك الجدران قدره 1.14 متر. والصحن لم يكن محاطاً بأروقة، والكتابات التي تزين واجهة المحراب يصعب فهمها، ومما كتب عليه: ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [3] (سورة السجدة، الآية 6)، ومما كتب أيضا : موقف الإمام المستنصر بالله عبد الله الحكم. كما كتبت عليه آية هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [4] (سورة الحشر، الآية 23)، ومن أعمال الحكم في جامع قرطبة مد قنوات المياه إلى السقايات. والميضآت التي أحدثها، وقد أوصل الماء إلى المسجد عبر قناة تم مدها من سفح جبل العروس قرب قرطبة كما أنشا الحكم عدداً من المقاصير، منها مقصورة “دار الصدفة” غربي الجامع، وقد جعلها مركزاً لتوزيع الصدقات، ومقصورة أخرى أمام الباب الغربي كان الفقراء يتخذونها مسكناً لهم.
كانت مقاييس الجامع الأول (75 م × 65م) بالإضافة إلى صحن الجامع، وفي عهد الأمير الأموي الأندلسي عبد الرحمن الأوسط تمت توسعته أكثر، وأضاف المحراب والقنطرة الموجودة فوق الشارع الرئيسي الذي يمر غرب الجامع لانتقال الأمير إلى المسجد من قصره دون المرور بالشارع. في سنة 951م، أنشأ عبد الرحمن الناصر مئذنة جديدة في أقصى صحن الجامع جهة الشمال، وهي على هيئة برج ضخم له شرفتان للأذان يصعد إليها بسلم داخلي، وهذه المئذنة لا تزال قائمة، وقد حولت إلى برج أجراس. وفي عهد محمد بن أبي عامر المنصور في عصر الأمير هاشم المؤيد عام 987م زيد في الجامع فأصبحت مقاييسه (125 مترا × 180 مترا) لتكون مساحته 22500 م2
فتح القسطنطينية
وتحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد
سقط تاج روما بعد حصار شديد استمر 53 يوما ، ودفنت بيزنطة في التاريخ بعد وقوفها على قدميها 1125 عاما منذ إنشائها ،كانت القسطنطينيّة تُعدُّ المعقلَ الرئيسيّ والاّستراتيجي للإمبراطورية البيزنطيّة آنذاك، وكانت القسطنطينيّة قائدةَ الأساطيل الحربيّة ضد العالم الإسلاميّ، والتي كانت تُعرف بالحروب الصليبية ضدّ المسلمين، لذا فقد كانت القسطنطينيّة على درجةٍ عاليةٍ من الأهميّة الإستراتيجية للعالم الإسلامي وللسّلطان محمد الفاتح.
السُلطان مُحمّد الفاتح هوَ السُلطان محمد خان الفاتح بن السّلطان مراد الثّاني المولود عام 833 للهجرة الموافق للعام 1429 للميلاد، وترتيب الخليفة محمد الفاتح في سلسلة السّلاطين العُثمانيين يأتي في المرتبة السّابعة، تولّى الخليفة العادل محمد الفاتح الخِلافةَ من أبيه مراد الثّاني – الذي تنازل عن عرشه له – وهو بعمرِ 22 عاماً، وكان تولّيه للخلافة في عام 855 للهجرة. شخصيّة محمد الفاتح جمع السّلطان محمد الفاتح في شخصيّته بين القوّة والعدل، وهما صِفَتَان لا تجتمعان إلّا في شخصٍ آثرَ الحقّ واتَّبَع الهُدى والدّين، فلم تُطغهِ القوّة أو السّلطة عن العدلِ والقِسط بين النّاس، كما أنّه كان – رحمه الله – خبيراً بأمورِ القتال والحرب وصاحبَ نظرةٍ ثاقبةٍ في التّخطيطِ الاستراتيجي المُنظّم، وهو الذي أهَّلَه لفتح مدينة القسطنطينيّة العصيّة، والذي لُقّبَ بالفاتح بسبب فتحها.
فتحُ القسطنطينيّة
كانت القسطنطينيّة تُعدُّ المعقلَ الرئيسيّ والاّستراتيجي للإمبراطورية البيزنطيّة آنذاك، وكانت القسطنطينيّة قائدةَ الأساطيل الحربيّة ضد العالم الإسلاميّ، والتي كانت تُعرف بالحروب الصليبية ضدّ المسلمين، لذا فقد كانت القسطنطينيّة على درجةٍ عاليةٍ من الأهميّة الاستراتيجيّة للعالم الاسلاميّ وللسّلطان محمد الفاتح .
تأسّست هذه المدينة في سنة 330 للميلاد على يد الإمبراطور البيزنطيّ قسطنطين الأول، وسُمّيت بهذا الاسم نسبةً إليه، واتّخذها البيزنطيون عاصمةً لهُم وقد حوصرت 29 مرة منذ ذلك الحين حتى فُتحت من قبل أبناء عثمان في يوم 29 ماي 1453، وتحققت بشرى الفتح المبين، ولنعم الأمير أميرها، وقد دخلها على رأس لواء النصر، يحف به أساتذته، وشق طريقه إلى آيا صوفيا.

أكبر محاولات المسلمين لفتح القسطنطينية وهي:
المحاولة الأولى: حملة سفيان بن عوف سنة 49هـ/ 669م
أرسلها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما برا، فاخترقت آسيا الصغرى وافتتحت حصونا كثيرة في الأناضول حتى وصلت إلى سواحل بحر مرمرة، ثم بعث معاوية ابنه يزيد بن معاوية مددا لسفيان بن عوف وجعله أميرا شرفيا على الحملة، ومعه نفر من أبناء الصحابة، مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم.
واستشهد الكثير من الصحابة، منهم أبو أيوب الأنصاري الذي دفن بالقرب من مدينة «بروسة.
وقد تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الغزوة، ووعد أهلها المغفرة، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها: «أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا، وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم».
المحاولة الثانية: حصار السبع سنوات 54-60هـ/ 674-679م
وفي الطريق إلى هذا الحصار استولى المسلمون على أزمير، واحتلوا ساحل ليكيا، وخرج الأسطول الإسلامي من جزيرة أرواد بقيادة جنادة بن أبي أمية الأزدي، وأحكم المسلمون حصار القسطنطينية برا وبحرا، من إبريل إلى سبتمبر، واستمر الأمر على هذا الحال، يحاصرون صيفا، ويرتدون شتاء، حتى عام 60هـ/ 679م عندما قرر معاوية بصفة نهائية الانسحاب، وعقد معاهدة صلح مع إمبراطور الروم: قسطنطين الرابع، مدتها ثلاثون عاما.
الحصار الثالث للقسطنطينية بقيادة مسلمة بن عبد الملك 97-98هـ 716-717 ميلادي
تابع الوليد بن عبد الملك سياسة تقوية الأسطول الإسلامي، وعمل على تنسيق التعاون بين القوات البرية والبحرية، وخلق مناخا طيبا للعمليات الحربية، حتى إذا جاءت سنة 94هـ بدأ في الاستعداد لغزو العاصمة البيزنطية، وجهز حملة بحرية برية بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك رحمه الله.
ولكن وفاة الوليد بن عبد الملك أدت إلى إرجاء إنفاذ الحملة إلى مقصدها، فلما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة أخذ يجهز الجيوش للسير إلى القسطنطينية، وخرجت الحملة بالفعل بقيادة مسلمة بن عبد الملك في أسطول كبير يقدر عدده ثمانية عشر ألف سفينة -وقيل: ألف وثمانمائة سفينة- ومعه مائة وعشرون ألف مقاتل، وتوجه نحو المدينة العتيقة سنة 98هـ/ 716م ليبدأ الحصار الثالث.
ولقد انتهى هذا الحصار -الذي استمر عامين- بالفشل في اقتحام القسطنطينية كما حدث في الحصار السابق له أما أهم الأسباب المستجدة والتي أدت إلى فشل الحصار فهو محالفة المسلمين لأحد الروم البيزنطيين، وهو القائد العسكري ليو الأيسوري الأرمني»، وكان طامعا في عرش بيزنطة، ففاوض مسلمة بن عبد الملك قائد الحملة على أن يعاونه فيما يريد، ويتركه يدخل القسطنطينية، حتى إذا نجح ليو في عزل الإمبراطور ثيودوسيوس الثالث، ونصب نفسه إمبراطورا، مهد للمسلمين دخول المدينة. وقد عاونه مسلمة وأجابه إلى طلبه، فلما تمكن ليو من الحكم نقض عهده، وانقلب عليهم، وانضم إلى إخوانه البيزنطيين، ونجح في صد الحملة الإسلامية عن أسوارها المنيعة.
وبالرغم من أن المسلمين قد لاقوا في هذا الحصار صعوبات كثيرة، وقدموا تضحيات هائلة، وقتل منهم عدد كبير، وحطمت الريح العاتية عددا من السفن، وسببت خللا في الأسطول، وانتهز البيزنطيون هذه الفرصة وسلطوا نيرانهم اليونانية على السفن الإسلامية وأحرقوا عددا كبيرا منها – بالرغم من ذلك كله فإن المسلمين استمروا في إحكام الحصار إلى أن توفى سليمان بن عبد الملك في 10 من صفر سنة 99هـ،14 جويلية 717. وحل الشتاء ببرده وثلجه، فهلك عدد كبير من العسكر من شدة البرد، ونفقت معظم الخيول والدواب، وعدم الأقوات، وحل الضيق بمعسكر المسلمين حتى أكل الجند الدواب والجلود وأصول الشجر والورق، وكل شيء غير التراب، وظل الأمر كذلك إلى أن كتب الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى مسلمة -وهو بأرض الروم- يأمره بالعودة بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلا وطعاما كثيرا، وحث الناس على معونتهم .
لقد كانت هذه الحملة الثالثة على القسطنطينية أعظم وأضخم الحملات التي استطاعت قوى الإسلام أن تجردها لهزيمة القوى البيزنطية، وكانت أعظم مجهود استطاع أن يبذله المسلمون لحمل لواء الإسلام إلى أمم الغرب غير الإسلامي، ثم إن الظروف لم تكن -ولن تكن أبدا مواتية- لتحقيق هذا الهدف إلا بعد سبعة قرون عندما سينجح الأتراك المسلمون العثمانيون في فتح القسطنطينية سنة 857هـ/ 1453م.
ولقد حاول إخفاق المسلمين -زمن بني أمية- في فتح القسطنطينية من انتشار الإسلام في أوروبا، ولو قدر للمسلمين النجاح في ذلك الوقت لتغير مصير أوروبا بعد هذا الوقت وإلى الآن، ولنشأت فيها أمم غير الأمم، ودين غير دين المسيحية، أي لو قدر ونجحت تلك الحملة الثالثة في الاستيلاء على القسطنطينية لكانت الدولة الأموية قد نقلت النظام الدولي من نظام ثنائي الأقطاب إلى نظام عالمي أحادي الأقطاب، يتسيَّده المسلمون، وتدخل فيه أوروبا ضمن ديار الإسلامي ويتغير مسار التاريخ
وبينما كان حكام بيزنطة والقيادات الروحية يؤدون طقوس اليأس الأخيرة في آيا صوفيا، آيا صوفيا التي بناها الإمبراطور الروماني قنسطانطيوس الثاني عام 360م. بعد 30 سنة تقريبا من تأسيس القسطنطينية، آيا صوفيا الكنيسة الكبيرة التي سُميت بعد القرن الخامس باسم آيا صوفيا Hagia sophia، بمعنى كنيسة الحكمة المقدسة.
كانت آيا صوفيا تجسيداً حياً لروعة المعمار البيزنطي، إذ ضمت قبة واسعة بلغ ارتفاعها 55.6 متر وقطرها 32 متراً، قائمة على أربعة أعمدة ضخمة يصل ارتفاع كل منها 24.3 متر، هذا بالإضافة إلى جدران بُنيت من الرخام والزجاج والأحجار الملونة وزُينت بالفسيفساء الذهبية اللامعة.
وقف الشعب البيزنطي يصطف بازدحام على طرفي الطريق الذي يسلكه جيش الفتح، يؤدون التحية لهذا الجيش وقائده الشجاع باعتبارهما منقذين حقيقيين ، ويلقون عليهم الأزهار ، وتقدمت فتاة شابة تحمل في يدها باقة، غايتها أن تقدم الباقة التي تمثل الصفاء والجمال والبراءة إلى السلطان. نظرت ثم نظرت، ولم تدرك أن السلطان شابٌ في الواحدة والعشرين من العمر. ظنت أن أحد الشيوخ أصحاب اللحي البيضاء إلى جانبه، وربما كان ملا غوراني ؛ هو السلطان ، ومدت الباقة إليه و أخفضت رأسها: « تفضلوا يا سيدي» فأجابها ملا غوراني: « ذاك هو السلطان « وهو يشير إلى الشعلة وسط لشيوخ.
انتبه الفاتح الشاب إلى هذا الحوار القصير، وقد فهم النتيجة من الموقف. نظر إلى الفتاة الشابة مبتسما:»هتها هتها فأنا السلطان الحقيقي، أما ذاك فهو أستاذي ، وفاتح اسطنبول المعنوي، والفضل يعود إليه أكثر مني».
هل يمكن التعبير عن القيمة التي مُنحت للمعنويات بأوضح من هذا؟
يقول في ذلك مؤرخ نصراني: « عندما جاء السلطان إلى آيا صوفيا نزل عن جواده، وانكب البطريرك (ج. بطاركة أو بطارقة كلمة يونانية مكونة من شطرين، ترجمتها الحرفية «الأب الرئيس»؛ ومن حيث المعنى فهي تشير إلى من يمارس السلطة بوصفه الأب، على امتداد الأسرة، ولذلك فإن النظام المعتمد على سلطة الأب، يدعى «النظام ألبطريركي». أما في المسيحية، فتتخذ الكلمة معنى رئيس الأساقفة في الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية؛ ويدعى مكتب البطريرك البطريركية. أما المؤرخون العرب فقد اصطلحوا على الكلمة لفظ «بطريق» من حيث الصلاحيات، فإن البطريرك هو أسقف مقدم، وله حق الولاية على جميع الأساقفة بمن فيهم رؤساء الأساقفة، وعلى سائر الإكليروس والعلمانيين في ولايته الجغرافية أو طائفته حسب القواعد التي رسمتها المجامع المسكونية، والقواعد الكنسية اللاحقة. ويؤلف البطاركة مع مجامعهم المرجع الأول في كل أمور البطريركية ولهم الحق في إنشاء أبرشيات جديدة وتعيين الأساقفة وإدارة السلطة التعليمية وتنظيم الأعمال الطقسية المختلفة، والموافقة على نشرها وتعميمها، ومباركة الميرون والشعب وتوجيه الرسائل، وفي الكنيسة الكاثوليكية فإن للبابا حق التدخل عند الضرورة. المؤسسة البطريركية أطلقت على خمس مدن في القديم: روما، والإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية والقدس، غير أنها لاحقًا أطلقت على مواقع مختلفة من العالم كالبندقية والبرتغال وروسيا ورومانيا وأثيوبيا والهند ومناطق أخرى. أما في أصل استعمال اللقب، فالظاهر أنه في القرن الأول كان يطلق على رئيس الجالية اليهودية في أنطاكية، ومن ثم لقب أسقفه بطريرك بوصفه رئيس المجموعة المسيحية فيها، وقد جاء في رسالة كتبها بطرس الثالث أن بطريرك أنطاكية وحده اختص بهذا اللقب في القديم، وأن لقبي روما والإسكندرية هما بابا في حين القسطنطينية والقدس اكتفوا برؤساء أساقفة، غير أن المجامع المسكونية وكذلك التقاليد اللاحقة، قد منحت رؤساء الأساقفة الخمسة الكبار لقب بطريرك).
أقول انكب البطريرك مثله مثل عامة الشعب على الأرض وبكوا بكاء مرا. لكن السلطان أشار بيده أن يهدءوا . وعندما ساد الهدوء ، قال للبطريرك: انهض على قدميك ، أنا السلطان محمد، أقول لك ولأصدقائك ولعامة الشعب، لا خوف عليكم بخصوص حياتكم وحرياتكم بعد اليوم من غضبي.
ويكتب المؤرخ دوكاس فيقول: «عندما نثرت الثروات في المعبد بين يدي السلطان لم يتمالك نفسه من الدهشة . فالمعبد القائم على 107 أعمدة ، والأرضيات المرصوفة من أندر أنواع الرخام ، والرخام المشكل على شكل الأفعى، وقطع الرخام ذات الخطوط الوردية الآتية من سيناء، ورخامات لاقونيا الخضراء ، ورخامات ليبيا السماوية، وبوغاز إيجي البيضاء ، وحجارة الغرانيت المبرقعة من تساليا وأنبير ومصر ، والأعمدة السُّماقية الثمانية ، والفسيفساء الزجاجي المصنوع بألوان مختلفة من الأحجار التي جلبت من أماكن مثل معبد الشمس الذي بناه مارك أوتيليا في بعلبك، ومن أفس وأمثالها، جعلت الفاتح في حالة من الدهشة والإعجاب»
ثم دخل بعد ذلك رواق الكنيسة ، وصعد على قبابها، كان يشكر في كل خطوة يخطوها، ويمشي متمتما بالدعوات. كان سعيدا ، فقد تحققت أخيرا بشارة الرسول. وتحققت المعجزة.
حينما كان السلطان يتجول في أنحاء آيا صوفيا في حالة من السعادة والخشوع، انسحب أحد الانكشاريين (الانكشارية من التركية العثمانية يڭيچرى، تعني: «الجنود الجدد») هي قوات مشاة من النخبة بالجيش العثماني، شكلوا الحرس الخاص للسلطان العثماني، تأسست قوات الانكشارية في عهد السلطان مراد الأول (1362-1389) وكان للانكشارية تنظيم خاص بهم بثكناتهم العسكرية وشاراتهم ورتبهم وامتيازاتهم، وكانوا أقوى فرق الجيش العثماني وأكثرها نفوذاً) انسحب إلى أكثر أماكن الكنيسة خلوة ، وهو يبكي من شدة الفرح ، ويحاول أن يخرج برأس خنجره قطعة من الفسيفساء من الأرض. كانت غايته الاحتفاظ بقطعة صغيرة من الفسيفساء كخاطرة من الفتح. ورآه السلطان الشاب، فتوجه إليه على الفور ، وضربه بسوطه وصرخ: « اترك ، فليس هذا من الغنائم التي وزعناها عليكم، فالأبنية عائديتها لنا.
كان محمد الفاتح حريصا جدا ودقيقا جدا في المحافظة على التراث التاريخي، بخلاف القوات الصليبية التي أتت إلى إسطنبول ذات يوم بدعوة من إمبراطور بيزنطة لاستخدامها في مواجهة السلجوقيين، فقد نهبت كل شيء في الكنيسة ، بل خلعوا الصليب الذهبي من قبة آيا صوفيا وأذابوه.
لتلك الأسباب وغيرها، نرى أن نوتاراس قدر هذا الأمر جيدا. ففضل رؤية عمائم المسلمين، حيث قال : «إني أفضل أن أرى عمامة تركية في وسط المدينة على أن أرى عمامة كاثوليكية»، على أن يرى قبعات اللاتينيين، وهذا الفرق هو السبب في رؤية أهالي بيزنطة الفتح المبين خلاصا لهم، وهو السبب في ترحيبهم بجيش الفتح .
وهذا الفارق بين « الاستعمار» و « الفتح « . فغاية الاستعمار الاستغلال والحرق والتدمير ، بخلاف الفتح، فغايته البناء والإحياء . ومن وجهة النظر هذه لم يكن العثمانيون في يوم من الأيام مستعمرين ، بل تمكنوا من الحفاظ على توسعهم في إطار الفتح، وحافظوا على السكان المحليين بعدالتهم وحسن رعايتهم لهم والرأفة بهم ، وجعلوهم في طمأنينة ورغد عيش وبفضل سلوكهم هذا ضمنوا حب الشعوب والتفافها حولهم.
ولم يزل الفاتح يتصفح آيا صوفيا ويتأملها وسط مشاعر مختلطة، حتى توصل إلى قرار في نهاية المطاف وأصدر أمره قائلا: « غطوا التصاوير( اللوحات والمنحوتات) واليوم هو يوم الثلاثاء …أريد أن أصلي صلاة الجمعة الأولى هنا، وحتى ذلك الوقت جهزوا المعبد للصلاة، وارفعوا الآذان المحمدي « ورفع الآذان أول مرة داخل آيا صوفيا وخارجها: « الله أكبر ألله أكبر» وانسحب الفاتح إلى زاوية وأدى صلاة العصر.
أصبحت آيا صوفيا الآن جامعا ، وستبقى 481 عاما جامعا، بعد أن ذكر السلطان محمد الفاتح في وثيقة الوقف التي أصدرها على ضرورة بقاء آيا صوفيا جامعا، يدعو على من يستخدم الجامع في مآرب غيرها يقول « لعنة الله ورسوله عليه».
آيا صوفيا الرمز المعنوي للفتح تحولت مع الأسف إلى متحف بقرار صادر عن رئيس تركيا آنذاك، مصطفى كمال أتاتورك، بتحويل آيا صوفيا إلى متحف فني يضم الكنوز المسيحية والإسلامية، ومنع إقامة الشعائر الدينية بشكل رسمي في المبنى، بغطاء من مجلس الوزراء في 24 نوفمبر 1934 ، وفي 8 أوت 1980 ونتيجة الجهود الكبيرة فتح محفل الهنكار أي (الحاكم السلطان) فقط للعبادة، ولم يلبث أن أعيد إغلاق المسجد للصلاة مرة أخرى، وحدث ذلك عقب الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر 1980 مبررة بحجة الترميم ولأن الترميم لم ينته لسنوات طويلة .
وها هو الفتح عاد لهذا المعلم بعد قرابة 90 عاما من الغلق بقرار من المحكمة العليا على بطلان قرار مجلس الوزراء السالف الذكر لأن الوقف يبقى على عهد وقفه. وستقام فيه صلاة الجمعة من جديد بتاريخ 24 من شهر جويلية من هذا العام 2020.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أنصار الثورة الجزائرية والجزائر المستقلة يغادروننا واحدا بعد الآخر في صمت رهيب/ سعدي بزيان

شاءت لي الظروف أن أعيش في باريس وأتابع باهتمام ما قام به الفرنسيون الأحرار، وما …