الرئيسية | قضايا و آراء | الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (2)

الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (2)

د. موسى عبد اللاوي * /

فانتبهتُ من غفلتي، وعرَفتُ أنها فرصة سانحة للتخفف من الذنوب، والتقرُّب من المعبود علام الغيوب، فعفَّرتُ جبيني في بستان السنة النبوية الوارِف:
(ما يُصيب المسلمَ من نصبٍ ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكُها إلا كفَّر الله بها من خطاياه) رواه البخاري ومسلم..
(ما من مسلمٍ يُصِيبه أذًى من مرض فما سواه، إلا حطَّ الله به من سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها) متفق عليه..
عن جابر بن عبدالله أن رسول الله دخل على أم السائب، فقال: «ما لك يا أم السائب تزفزفين؟» – أي ترتعدين – قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: «لا تسبِّي الحمى؛ فإنها تُذهِب خطايا بني آدم كما يُذهِب الكير خبث الحديد»؛ رواه مسلم..
فقلت لنفسي مخاطبا إياها: يا نفس!!
إذًا؛ دَعِي الخلق جانبًا واتخِذِي الله صاحبًا، فمتى تتميَّزين إن لم تتميَّز اليوم؟!
هل ذهبَت تلك العبارات، سقطت تلك الشارات التي عمرتي بها ساعات العافية وأيام الهناء؟
قلت لنفسي: يا عبد الله!
متى تتضرَّع بين يدي ربِّك الكريم، إن لم ترتَمِ اليوم بكُلِّيَّتك على عتبة بابه، تشكو ضعف قوَّتك وقلَّة حيلتك أليس في مناجاته في ظروف الوَحدة وهجعة الليل وتحرُّك الألم، لذَّة لا يعرفها إلا من حَظِي بالتخرُّج من مدرسة البدايات المحرقة التي لا تنفع فيها عبادة التجَّار، ولا عملةٌ فيها سوى الإخلاص والصدق والتواضع للخالق والخلق، والإقبال على النفس باللائمة والتوبيخ؛ لقلَّة أدبها مع الله، واستعجالها الفرج بعد ابتلاء عادي، صارت تعُدُّه قاصمةَ العمر، قلتُ لنفسي: يا نفس!!
ألم تكوني تتقلَّبين في أعطاف النعمة والعافية طول حياتك، ولم ينَلْك من البلاء في النفس والأهل والولد والمال إلا اللَّمَم، والحمد لله؟
ثم قلت لنفسي ثانية: لِمَ تبصِر أيها المشتكي العسرَ يرفلُ إليك، ولا تبصر اليسر خلفَه وإلى جانبه يقترب منك؟!
قال الله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]، فتأملت في الآية الكريمة فوجدتُ وكأن هذا الوعد الربّاني لم يُرِح بعض النفوس المتعَبة رغم إيمانها ويقينها فزادها تثبيتًا، فقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5، 6]، فالفرج لا يأتي هنا بعد الشدَّة، ولكنّه بفضل الله يصاحبها، لكن العين الضعيفةَ المستعجلة لا تبصره، ومتى يغلب عسرٌ يُسرَيْن؟!
وربما طال غاسق الليل عليّ -وأنا أرقب فجره – حتى ردَّدتُ قول الشاعر:
ولَـيْـلٍ كَـمَـوْجِ الـبَـحْـرِ أَرْخَـى سُـدُوْلَــهُ *** عَــلَـيَّ بِـأَنْـوَاعِ الـهُــمُــوْمِ لِــيَــبْــتَــلِـي
فَــقُــلْــتُ لَـهُ لَـمَّـا تَـمَــطَّــى بِـصُــلْــبِـهِ  *** وأَرْدَفَ أَعْــجَــازاً وَنَـــاءَ بِــكَــلْـــكَــلِ
ألاَ أَيُّـهَـا الـلَّـيْـلُ الـطَّـوِيْــلُ ألاَ انْـجَـلِــي *** بِـصُـبْـحٍ، وَمَــا الإصْـبَـاحُ مـنِـكَ بِأَمْثَلِ
فَــيَــا لَــكَ مَــنْ لَــيْــلٍ كَــأنَّ نُــجُــومَــهُ *** بــكــل مُــغــار الـفــتـل شُــدّت بـيـذبل
وأنا أمُرُّ بتلك الأوقات الصعبة في الحياة, أكابد العناء والمشاق في فترات متواليات, فتذكرت سيرة حياة نبي الله الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، تذكرت حياته وكيف توالت عليه محن متتاليات.. ولكنه صبر وثبت منتظرا الفرج من الكريم الوهاب فقال قولا كريما هو آية قرآنية, وقاعدة جلية « إنه مَن يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين»
– ونظرت في أدب أبي فراس الحمداني فوجدت أن هذا الرجل العظيم قد لحقه بدوره حظه من المعاناة كما لحق العظماء غيره، فتمثلت بقول الإمام البوصيري في همزيته:
فتأَسُّوا بمن مضى إذْ ظُلِمْتُمْ*** فالتّأسِّي للنفس فيه عَزَاءُ
وأنا في محنتي كنت أنظر إلى هذا الأمير الشاعر الأديب أبي فراس الحمداني وهو في سجنه يدوّن عجائب الحياة وتناقضاتها, وغرائب العلاقات البشرية وشوائبها ! في هذه الأبيات الناطقة.. الصادقة.. المعبرة.. وهو يدوّنها في لحظات صدق وصفاء، وعهد ووفاء:
مــصـابي جليلٌ، والعـــزاءُ جميلُ
وظــني بأن الله ســــوفَ يُديلُ
جراحٌ ، تحاماها الأســـاةُ مخوفةٌ
وسُـــقـمان: بادٍ، منهما، ودخيلُ
وأسرٌ أقاســيه، وليلٌ نجــــومهُ،
أرى كلَّ شـيءٍ، غيرهـن، يزولُ
تطولُ بي الساعاتُ، وهي قصيرةٌ
وفي كلِّ دهرٍ لا يسـرك طولُ] !
تناسـاني الأصحاب، إلا عُصيبةً
ستلحق بالأخرى، غـدا وتحولُ!
ومن ذا الذي يبقى على العهد؟ إنهم
وإن كثُرتْ دعــــواهُمُ، لقليلُ
أقلبُ طرفي لا أرى غير صاحبٍ
يميلُ مع النعـماء حـيثُ تمـيلُ
وصِرنا نرى أن المتارك محسـنٌ
وأن صـديقاً لا يضـرُّ خليلُ]
أكلُّ خليلٍ، هكذا، غيرُ منصـفٍ
وكلُّ زمانٍ بالكــرام بخـيلُ!
فيا حسرتا، مَن لي بخـــــلٍّ موافقٍ.
أجل! فمحنتي جعلتني أقف على بعض المسالك الوعرة لليقينيات الكبرى في هذا الوجود، ومن خلالها تبين لي أكثر باليقين أن الأبواب المفتوحة بين الخلق منها ما قد يُغْلَقُ فجأة دون سابق إشعار، ولا حتى تلقّي إنذار! ومن أبواب الخلق ما قد تُغَيّرُ أقفالُهُ من جديد! ومنها ما قد يُستبدل البابُ بالكلية! حتى أن العين لتنكر رؤيتها! وأن الأذن تجد اللغة قد تغيرت ألحانها, حتى لا تكاد تستعذبها! فضلا عن أن تفك شفرتها, أو تفقه طلاسم ألغازها!!
فقلت لنفسي مخاطبا إياها: يا أيتها النفس..! فإذا أغلقت أبواب الخلق عليك، فعليك بباب الخالق -أولا وأخيرا – فإن بابه مفتوح، ومن لجأ إليه ولج، وأتاه من الله الفرج!
يتبع…

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …