الأربعاء 22 ذو الحجة 1441ﻫ 12-8-2020م
الرئيسية | شعاع | الغـــــارة علــى «العربيــة الشــريــفــة» … متـــى تـتـــوقّــــف ؟ العربيـــــة مــن منظــــور «عقَــــــدي»

الغـــــارة علــى «العربيــة الشــريــفــة» … متـــى تـتـــوقّــــف ؟ العربيـــــة مــن منظــــور «عقَــــــدي»

يكتبه: حسن خليفة /

المتابع لمشهدنا الإعلامي الوطني بصفة خاصة، والعربي ـبصفة عامة ـ يلحظ، دون أدنى مشقة، تلك الغارة الواسعة الخبيثة على اللغة العربية، مبنى ومعنى، وأسلوبا وتركيبا، وتراثا وتاريخا، وعلما، ومكانة، وذلك بإقصاء وتهميش «العربية» إلى أقصى الحدود، وفي المقابل التوسّع في استخدام اللهجات العامية، كل قطر ولهجته، مع إدراك الجميع أن ذلك يقلّص مساحة التأثير والإيصال، لاختلاف اللهجات العربية في مبناها ومعناها عن بعضها.
وعلى العكس من ذلك فإن «العربية (الفصحى)» هي أفضل وسيلة لتقريب المسافات بين العقول والقلوب، وتيسير سُبل التواصل الجادّ بين الأشقاء في مختلف الأقطار، ولكن ثمة «رغبة»، لم تعد دفينة لدى النُّخب العربية الحاكمة، في تطبيق بنود «الإقصاء» وفق برنامج آثم كبير يريد إقصاء الإسلام نفسه، وإبعاده عن الحياة وعن الواقع المعيش للناس، كما صرح بذلك «ليفي أشكول»، قبل سنوات، حين قال: «لن نسمح بوجود لغة واحدة، وشعب واحد، ودين واحد في الشرق الأوسط»(نايف معروف،خصائص العربيةـص23). وهذا ما نراه يطبّق خطوة خطوة، محاربة الإسلام (الذي ألصقت به صفة الإرهاب)، ومحاربة القيّم والمبادئ بدعوى التشدد والتطرف، ومحاربة العربية… ولا يعدم المتابع الكثير من الأدلة والوثائق التي تكشف هذه المخططات، فيربط بين أجزائها ليعلم المصدر والمصبّ والهدف.
غير أن موضوعنا عن الإعلام والعربية، لذلك نتساءل: ما هو مبرّر هذه الحرب العنيفة الشاملة التي تقودها وسائل الإعلام على اللغة العربية، بكيفيات وأشكال مختلفة، في برامجها المتنوّعة: من المسلسلات (الهابطة أصلا) إلى البرامج الحوارية، إلى البرامج الترفيهية، إلى الإعلانات عن مختلف السلع، وصولا إلى نشرات الأخبار في بعض القنوات، ولم ينج من ذلك حتى الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال، وبالطبع المسلسلات الأجنبية المد بلحة إلى «الدارجة» (اللبنانية عادة)!
السؤال الجوهري الكبير هنا هو: ما الذي دفع ويدفع تلك الوسائل إلى الانخراط في هذه الحرب على العربية فتحاربها باللهجات، بل بالمقيت المهين منها: لهجات هي «خليط» من الخطاب المبتذل الرديء الذي تتقاطع فيه كلمات عربية بكلمات أجنبية كثيرة، مع مضامين بائسة وتافهة وموضوعات رديئة تشيع الفاحشة، وترسخ الرداءة،وتعمم السطحية والتفاهة.
نعم.. ما الذي يجعلها تسعى في سبيل الإعلاء من شأن العاميات (الدارجة) وتترخّص في التعامل مع العربية؟.
إنه واقع بائس متأزم مركّب..قد يكون من الضروري التأكيد هنا على أنه لا ينبغي أن يشغلنا عن هذه القضية شاغل، مهما كان، ومهما بدا أولوية؛ ذلك لأنّ الإعلاء من شأن العربية وإعطاءها مكانتها ومقعدها في الصدارة هو شأن مهم وعظيم الأثر، لا ينبغي أن نتهاون فيه أو أن نتأخر.وسيظل دينا في رقابنا سلطة ومجتمعا ونُخبا، نأثم بتركه وعدم السعي فيه.
فالأمر في حقيقته أمر عقدي/ديني، إذ لعلّه من الضروري ها هنا النظر إلى هذه المسألة من منطلق «عقَدي» (إيماني) كما يقول الدكتورعباس ارحيلة بأن «العلم بالعربية ضرورة عقيدية» (من مقال منشور بمجلة: منار الإسلام، عدد محرم 1415هـ).
ومعنى ذلك أن اهتمامنا باللغة العربية واجب ديني أساسا، وذلك لأن ا للغة العربية هي لغة القرآن الكريم، أي بمعنى آخر لغة الإسلام في: شرائعه، ومبادئه، وقوانينه، وقيّمه..الخ.
إننا نعلم أنّ اللغة العربية حملت آخر رسالات السماء إلى الأرض وأريد لها أن تكون لسان الوحي، وقدر لها أن تستوعب دليل نبوة الإسلام، واختزال مضامين الرسالات السابقة، والانطواء على المنهج الذي ارتضاه الله لخلقه إلى يوم الدين؛ نظرًا لهذا «فقد كانت دراسة اللغة العربية عند الأقدمين مرتبطة بالعامل الديني، ونتيجة لهذا الارتباط الوثيق فقد خلفت لنا العصور الأدبية على امتداد التاريخ اهتمامًا كبيرًا بلغة القرآن الكريم سواء فيما يتصل برصد مروياتها من الآثار الأدبية من شعر ونثر، أو فيما يتصل بإحصاء مفرداتها، وتسجيل أوابدها وغرائبها في المعجمات والقواميس اللغوية، أو فيما يتصل باستنباط القواعد والأسس التي تعنى بسلامتها، والمحافظة على أصولها الموروثة، ووضع الدراسات اللغوية الخاصة باكتناه أسرارها، والكشف عن خصائصها ومميزاتها.»(مقالات وآراء في اللغة العربية، للدكتور حمد بن ناصر الدخيل، ص54-53، الطبعة الأولى، دار الشبل بالرياض،1415هـ.).
ويترتب على ذلك القول: إن الدعوة إلى تعلم اللغة العربية منذ الصغر، أمر من أهم أمور العقيدة، يستوي فيه المسلم العربي، وغير العربي.. كما أن الاهتمام بتعليمها وترسيخها وتعزيز مكانتها من الدين أيضا .
ولقد ذهب كاتب عربي (علماني) إلى رأي «مميز» في هذا المجال؛ حيث كتب الأديب المعروف طه حسين يقول: «إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضا»
ويقول الإمام الشافعي (ت 204هـ): «فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض، فلا بد أن يكون بعضهم تبعًا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع. وأولى النّاس بالفضل في اللسان مَن لسانُه لسانُ النبي-صلى الله عليه وسلم – ولا يجوز -والله أعلم – أن يكون أهل لسانه أتباعًا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد»(الرسالة: للإمام الشافعي، ص46، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر، ط. مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1940 م).
جاء في مقدمة كتاب «فقه اللغة وسر العربية» لأبي منصور الثعالبي رحمه الله قوله: «من أحبّ الله تعالى أحبّ رسوله المصطفى -صلى الله عليه وسلم – ومن أحبّ النبي العربي أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبّ اللغة العربية عُني بها، وثابر عليها وصرف همته إليها، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء والزند للناس».
ويقول الزجاجي (ت 337هـ): «وأمّا اللغة -وهي العربية – التي فضل الله -عز وجل – بها العرب، وأنطقهم بها فهي لغتهم. كما أنّ لكل قوم لغة يتكلمون بها».
والخلاصة: إن العربية ليست كأي لغة من اللغات، بل هي لغة مصطفاة، اختارها الله تعالى من بين كل اللغات لتكون وعاء لكتابه الكريم المنزّل، كما اختارها أن تكون لسان نبيّه -صلى الله عليه وسلم – الذي اختاره نبيّا ورسولا إلى الناس كافة.
فمتى نستيقظ؟ ومتى نعيد حساب الأولويات في أهدافنا وحياتنا ووظائفنا وغاياتنا؟.
ألا يُخجلنا ما يقوله المستشرق الفرنسي ماسينيون: «باستطاعة العرب أن يفاخروا غيرهم من الأمم بما في أيديهم من جوامع الكلم التي تحمل من سمو الفكر وأمارات الفتوة والمروءة ما لا مثيل له» (لويس ماسينيون، مقام الثقافة العربية بالنسبة إلى المدنية العالمية. نشرته له جريدة: «الأهرام» القاهرية، عدد 26/1/1949م).

عن المحرر

شاهد أيضاً

ابــن باديـــس الصحـــافـــي الـمـــؤســـس …

يكتبه: حسن خليفة / أحد ملامح الوفرة والتنوّع والريادة في حياة العلامة ابن باديس الإصلاحية …