الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441ﻫ 11-8-2020م
الرئيسية | على بصيرة | جهاد نوفمبر: بين مهندسي ثورته ومشوّهي صورته

جهاد نوفمبر: بين مهندسي ثورته ومشوّهي صورته

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين /

ما بال بعض أقوامنا، لا يكادون يفقهون تاريخا، فهم كلما أصدروا أحكاما، جاءت –على رأي المؤرخين – تدليسا وتلبيخا، وجلبت لأصحابها، ذما وتوبيخا؟
فكلما أظلنا عيد نوفمبر أو عيد الاستقلال كثر المنظّرون، فهم يغيّبون مهندسي جهاد نوفمبر وثورته، ويطمسون معالم جوهره وصورته.
وترى الخلف من الأجيال الصاعدة حيارى ممّا يفعله الخلف، فتضيق أمامهم السبل، ويكفرون برعاة الوادي، وحماة الجبل.

ليت شعري، متى يدرك بعض الصائدين في الماء العكر، والعازفين على غير الوتر، أنّ صناعة التاريخ أمانة، وأنّ تزييف الحقائق، جبن وخيانة؟.
فالعمل الشعبي التغيري، الذي صنعته الجزائر، نموذجًا فريداً في القرن العشرين، هو حدث تاريخي وحيد في عصره، يتطلب ممن يتصدى لتأريخه، أن يكون مزوّدًا بأهمّ القواعد المنهجية، وأدقّ الاستعدادات النّفسية، والتّحلي بأبرز القيم الخلقية.
فما يزال هذا الحدث الجهادي، الثوري، التغييري، يستوقف الباحثين من المؤرخين، عند التصدي لكنهه ومعناه، وتحديد مقصده ومغزاه.
إنّ هناك إشكاليات منهجية ما فتئت تستوقفنا، وتسائل نوايانا وضمائرنا، ومن ذلك على سبيل المثال:
1- هل النهر التغييري الشعبي الجزائري، يمكن وصفه من حيث الدلالة بالثورة أو الجهاد تصحيحا للمفاهيم؟ أليس من الاختزال لجهاد نوفمبر، تسويته بثورة موسكو أو كوبا؟
ذلك أنّ الثورة، في فهمنا العلمي المتواضع، هي نوع من الغليان الشعبي، أو الانفعال الطبقي، لا يلبث أن يهدأ بمجرد تحقيق مطالبه الاقتصادية، أو السياسية، أو الاجتماعية.
بينما الجهاد عمل عقدي، متجذر في العقول، ومتأصل في القلوب، وله أهداف ومقاصد لإحياء الأصول، وتحرير العقول، وطلب الاستشهاد للفوز بالقبول، تطبيقا لأوامر الله، وسنة الرسول.
2- هل يمكن التسليم بعمل تغييري شمولي منظم، في حجم عمل نوفمبر، دون أن يكون له مهندس يجلّيه، ومعتقد يزكّيه، ومبدأ إلى المقصد النبيل يسوقه، ويحميه؟
3- هل كان من الممكن أن يحمل أي مجاهد السلاح ويستبسل في ساحة الوغى، لو لم يكن لديه الدافع النّفسي العريق، الذي يصنع لديه الوعي العميق، بمعنى الجهاد الدقيق والاستشهاد الوثيق؟
4- كيف نعلّل أنّ قادة جهاد نوفمبر، كان معظمهم ممّن تزوّدوا بالمبادئ الإسلامية الإصلاحية، من أمثال مصطفى بن بولعيد، والعربي بن مهيدي، والعقيد عميروش، وسي الحواس، والعقيد الشعباني، والسعيد عبادو، وغيرهم؟
إنّ المتضلعين في الفكر الجهادي الإصلاحي في الجزائر، ليدركون أنّ الشعلة التي انطلقت في الفاتح من نوفمبر 1954، قد انطلقت تحت شعار الله أكبر، وعلى وقع بيان نوفمبر الذي كان مقصده ومبتغاه تكوين دولة جزائرية ديمقراطية في ظلّ المبادئ الإسلامية.
فكيف صيغت هذه الشعارات؟ ومن هو الملقن الحقيقي لها؟ وهل كان يمكن أن تنجح قيادة عسكرية بدون قيادة روحية؟.
أن الراسخين في علم الوطنية الجزائرية لا يجدون عناء، في إدراك السّر الحقيقي لعظمة جهاد نوفمبر، فجيل هذا الجهاد قد ترعرع، في المحيط الثوريّ الذي كان يبثه الأب الروحي للثورة الجزائرية عبد الحميد بن باديس والذين معه.
فقد رسم العلماء المصلحون، طريق الخلاص من أول يوم أنشئ فيه التنظيم الإصلاحي، وكان الجيل الجديد، ينام ويستيقظ على شعار التحرير، تحرير العقل، وتحرير البدن، كان الجيل يتغنى بنشيد ابن باديس الخالد:
اشهـــــــــدي يـــــا سمــــــــــــــاء  واكــتــبـــــــن يــــــــا وجــــــــــــــود
إنــنـــــا للـــحــمــــــــــــــــــــــــــــــــى  ســـنـكــــــــــون الجـنــــــــــــــــــــود
فــنـــزيـــــح الــبــــــــــــــــــــــــــــلاء  ونـــفــــــــــــــــــك الـقـيــــــــــــــــــــود
ونـــــذيـــــــــــــق الـــــــــــــــــــــردى كـــــلّ عـــــــــات كـــنــــــــــــــــــــود
فــــيَـــــرى جـــيــــلـــنــــــــــــــــــــــــــا  خــــــــــافـــقـــــــــــات البـــنــــــــــود
ويُــــــــــــــــــــرى نـــجــــمــــنــــــــــــا  للـــعــــــــــلا فــــي صعـــــــــــــــود
هــــكـــــــــــــــــــــذا هــــكــــــــــــــــــذا  هـــــكـــــــــــــــــذا سـنــعــــــــــــــــــود
فــاشهــــدي يــا سمـــــــــــــــــاء   واكـــتــــبــــــــــن يــــــا وجــــــــــود
كما كان جيل الإصلاح الناشئ، يتغنى بنشيد:
شعب الجزائر مسلــــــــــــــم    وإلــى العروبـــــة ينتسب
من قال حاد عن أصلـــــه    أو قال مات فقد كــــذب
أو رام إدماجــــــا لـــــــــــــــــه    رام المحال من الطــلب
أو نشيد محمد العيد آل خليفة شاعر الإصلاح:
صوت بعيد المدى هل يُجاب
ناداكم الفداء بالرقاب
إلى الفدا إلى الفدا يا شباب
أو مقالات الشيخ البشير الإبراهيمي التوعوية الاستنهاضية:
«إن الاستعمار شيطان، وإن الشيطان لكم عدو، فاتخذوه عدوا»
أو قصيدة الشيخ أحمد سحنون:
لا تطل لومي ولا تطلب نشيدي   أنا في شغل بتحطيم قيودي
أأغنـــــي ويـــــدي مغلــــولـــــــــــــــة  وبرجــلــــــــــــي قيود من حديد
أأغنـــــي ولســــــانـــــي مـــوثــــــــق  وبطوق خانــــق طوّق جيدي
إلى أن يقول:
لا أغني قبل تحرير الحمى  فإذا حُرّر غنيت نشيدي
لا أغني قبل أن أجني المنى  وأرى الإسلام خفاق البنود
فهل يعقل، بعد هذه العينات الدالة من إعداد، واستعداد، وإمداد العلماء لجهاد نوفمبر، هل يعقل بعد هذا أن يطل علينا، بعد عقود من الاستقلال، من يقول لنا، أن ابن باديس كان يدعو إلى الاندماج، وأن جمعية العلماء لم تشارك في الثورة، وأن بيان نوفمبر لا علاقة له ببناء مجتمع إسلامي حر؟
فيا قومنا!
إنّه لا مجال اليوم للجهل بهذه المسلمات، فالجاهل ينبغي أن تعلموه، والغافل يجب أن تنبهوه، والضال يجب أن توجهوه.
وإذن، فإنّ الأعياد الوطنية هي مناسبة تتاح لنا، كي نجدد معلوماتنا، ونصحح مفاهيمنا، وننبه العقول من غفلتها، والضمائر من غفوتها.
أما اختزال الوطنية، في جزء من النّاس دون الآخر، وأما احتكار الوطنية، وإقصاء البعض، ظلمًا، وكذبًا، فذلك هو الداء الذي ينخر جسم الوطنية الصحيحة، فحذار من اللعب، بما كان العدو يروج له، وإنّ التاريخ الجزائري الصحيح، سجل ذهبي، فلنحسن قراءته، ولنحسن تسجيل أسمائنا فيه، فهو خير شاهد بالأعمال، وخير دليل على جلائل الأقوال والأفعال.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مـتحـــف «آيــا صـوفـيــا»، و«مـسجـــد فــوجـيـــا»

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين / بآيا صوفيا، باسطنبول، بتركيا المسلمة، …