الرئيسية | في رحاب الشريعة | يــــوم استقـــــلال الجـــزائـــر من ذكــــرى 1962م إلى آمـــــال 2020م

يــــوم استقـــــلال الجـــزائـــر من ذكــــرى 1962م إلى آمـــــال 2020م

الشيخ محمد مكركب أبران /

في الذكرى الثامنة والخمسين ليوم استقلال الشعب الجزائري، تاريخ الخامس من شهر جويلية من كل عام ميلادي يذكرنا بيوم مشهود من تاريخ الجزائر بلاد الجهاد والنضال، بلاد العلماء والمجاهدين الأبطال، ما هو اليوم الخامس من شهر جويلية في ذكريات الآمال وسجل الأعمال؟ إنه يوم الحرية والاستقلال، اليوم الذي عادت فيه بفضل الله العلي العظيم الفرحة للشعب الجزائري فرحة الانعتاق من استعباد الاسترقاق الذي مارسته فرنسا على الشعب الجزائري، أهدرت دماء الجزائريين، وأخربت المدارس والمساجد والقلاع، وخانت العهود والمواثيق، ولكن الدم الجزائري الغالي لا يستعبد ولا يباع في سوق النِّخَاسَة الاستعمارية، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل إن شاء الله العلي الحكيم، رحم الله أحمد شوقي الذي قال في وصف ظلم الاستعمار الفرنسي:{وللمستعمرين. وإن ألانوا.. قلوب كالحجارة لاترق. إذا ما قام طُلَّابُ حَقٍّ.. قالوا ثُلَّةٌ خرجوا وشَقُّوا. دَمُ الثوار تعرفه فرنسا.. وتعلم أنه نور وحق. وللحرية الحمراء بابٌ.. بكل يد مضرجة يُدَقُّ.} دماء زكية طاهرة، جرت سواقي على ترابنا، من تبسة إلى تندوف وبشار، ومن بومرداس وبجاية إلى إيليزي وبرج باجي مختار، ففي يوم الحرية والاستقلال نتذكر سجلا عظيما من بين أكبر سجلات التاريخ في العالم الحديث، وعنوانه البارز: {ثمن الحرية والاستقلال} ذلك الثمن الغالي الذي ضحي به الشعب الجزائري، من أجل أن تظل الجزائر شامخة في عزة ووحدة وطنية، من أجل أن تظل حرة آمنة في وَحْدَةٍ أَخَوِيَّة. كان ثمن الحرية والاستقلال ملايين الضحايا والشهداء، وأنهار من الدموع والدماء، ومعاناة من ظلمات الأحزان، ومعارك حربية ونفسية يشيب من هولها الولدان. شعب يضحي بِعُشُرِه في سبيل حُرِّيَّتِه، ويتصدق لله بحياته وشبابه، لهو شعب يفقه حق الزكاة ويؤتيها بالتمام والكمال خالصة في سبيل الله الكبير المتعال، إنه شعب الثلاثين ثورة في مائة واثنين ثلاثين سنة، خاتمتها ثور التحرير، ثورة تقرير المصير.
شعب يصبر مائة وثلاثين سنة ولم يركع للمحتل المستعمر الظالم الغادر، يوم أن كان الشعب مُسْتَعْبَدا في الظاهر، فهل يُظَنُّ به أن يخضع أو يُسَاوَمَ أو يركع وهو سيدٌ حُرٌّ في وطنه؟؟ شعب بِفَضْل الله تعالى حقق المعجزات في جهاده ونضاله، وكاد يَعْبُر خط المستحيلات في ميزان قانون الحروب وسياسة الاستعمار مع مستعمراته، شعب هذه مواقفه، وهو يسترجع ذكريات الجهاد من الماضي البعيد، إلى سنة 2020م، هذا الشعب لن يفرط في حبة رمل من أرضه، ولا في فرد من أبناء وطنه، ولا يُفَرِّطُ في ثابت من ثوابته، ولا ولن يخرج عن أصل من أصوله، وسيظل متمسكا بوحدته واتحاده، مستمسكا بدينه وشريعته التي بها جاهد وحرر الوطن بإذن الله، ويكفيك أن تقول: إنه الشعب الجزائري المسلم الحر.
إن الشعب الذي قام مجاهدا يحارب الاستعمار الفرنسي الغاشم الظالم، مدة قرن وثلث قرن، إن هذا الشعب الذي وقف في وجه المستعمر الذي كان يومها في أوج قوته وطغيانه وقف وقال له: الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا. هذا الشعب المسلم الموحد مازال وسيظل ثابتا على هذه الثوابت. الشعب الذي قال للمستعمر: شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب. من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب. أو رام إدماجا له رام المحال من الطلب. مازال هذا الشعب يقول لمن يتنكر للدين ويطعن في قِيَّمِه، أو يستهين باللغة العربية ويظلمها، أو يُكَذِّبُ بالوحدة الوطنية، أو يخدش في رموز ومقومات الوحدة الوطنية للدولة الجزائرية، يقال له فقد كذبت وخنت وغدرت.
قال الشعب وما زال يقول:{نحن جند في سبيل الحق ثرنا.. وإلى استقلالنا بالحرب قمنا. لم يكن يصغى لنا لما نطقنا.. فاتخذنا رنة البارود وزنا. وعزفنا نغمة الرشاش لحنا.. وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر. يا فرنسا قد مضى وقت العتاب.. وطويناه كما يطوى الكتاب. يا فرنسا إن ذا يوم الحساب.. فاستعدي وخذي منا الجواب. إن في ثورتنا فصل الخطاب.. وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.
فعلى الشعب الجزائري أن يظل صامدا صمود العلماء الشهداء، صمود من قالوا:{نحن جند في سبيل الحق ثرنا} وأن يظل الشعب حارسا أمينا محافظا على مقدساته وقيمه من أن تطالها يد الخائنين أو المفسدين. ومن وصايا ذكرى يوم الحرية والاستقلال: هي ست رسائل، رسالة إلى السلطات الحاكمة إلى من بيدهم القرارات أن يتقوا الله في الجزائر في أمانة الشهداء، بأن يفوا بالعهد وأن لا يخلفوا الوعد. لقد ورد في بيان أول نوفمبر 1954م.{إقامة الدولة الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية} قال الله تعال:﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل:91) وأن يَجْمَعُوا العلماء المتخصصين في الشريعة والاقتصاد والإدارة والسياسة وغيرها، ويعدوا مجلس الشورى من العلماء الحقيقيين الذين يقدرون على التدبير والتخطيط والإصلاح. والرسالة الثانية إلى العلماء بأن يُجْمِعُوا أمرهم ويتفقوا على ما يرضي ربهم، وأن يتعاونوا على البر والتقوى كما أمرهم، في مؤسسة واحدة تجمعهم، ويجمعهم الإخلاص لله تبارك وتعالى، وخدمة أمتهم، ووطنهم. والرسالة الثالثة:للشباب بأن يكونوا على وعي كامل، بأن يحافظوا على وحدة الجزائر الحرة وأن يسترشدوا بعلمائهم مجتمعين، لايكتفون بمن يخرج على إجماع الأمة. وأن يستمسكوا بالكتاب والسنة. والرسالة الرابعة: إلى من وهبهم الله مالا، أو علما، أو اختراعا، أو ذكاء، أو موهبة تفيد الوطن وتخدم الإسلام، أن يظلوا مخلصين لوطنهم وأن يصبروا ويضحوا كما ضحى الشهداء والمجاهدون. واعلموا يا أصحاب الأموال والثروات، ويا من وهبهم الله علوما واختراعات، أن خدمة الوطن في ظل الإسلام وتحت راية الإيمان لهو ذلك النصيب الحق الذي أمر الله تعالى به، في قوله عز وجل. ﴿وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:77) والرسالة الخامسة إلى سلطات دول المغرب العربي الإسلامي بأن يعيدوا النظر والتفكير في سياساتهم المتنافرة، وأن يعودوا إلى وحدة واتحاد يرضي رب العباد. وعلى كل حاكم أن يخلو أولا مع نفسه وهو يؤمن بأنه سيرجع يوما إلى الله تعالى وسيسأل يوم لا ينفع المال المكدس في الخزائن، ولا الجيش المدجج بالسلاح، ولا البطانة العشيرية التي تحيط بهم، ولا الموالاة السياسية، ويطرح السؤال ما فعلت لشعبك؟ أيها الحاكم كن صريحا وحدك مع نفسك، وقل يا نفس: هل أنا حقا مستقيم كما أمر الله؟ الذي قال لنبيه عليه الصلاة والسلام، ولكل هذه الأمة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ.﴾ (سورة هود: 112،113) وقال لنبيه داود عليه السلام: ﴿يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ (سورة ص:26) والرسالة السادسة: إلى الأحزاب السياسية التي شهد الواقع على أرض الميدان، بما نهى الله عنه في آيات القرآن، أنها لا تحل مشكلا لبني الإنسان، ولا تقدم الأمة خطوة نحو نهضة العمران، فإن الدعاة والزعماء والمفكرين الذين اجتهدوا يشكرون على اجتهادهم، ولكن ليس كل مجتهد مصيبا، فقد ظهر الخطأ والانحراف في إنشاء الأحزاب أصلا، والذي قد يخدم الأمة وينفع الوطن ويشارك في بناء الحضارة، هي الجمعيات والتعاونيات والمؤسسات المتخصصة، والشركات والمنتديات التي تحترم التخصص الوظيفي التفصيلي الدقيق، وتعمل بالقانون التكاملي الاجتماعي الحقيق،. وهذا بناء على قانون التلازم بين السنن الكونية والسنن الشرعية في تفعيل العوامل الحضارية. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

الشيخ محمد مكركب أبران/ مما دأبت عليه المجتمعات وهو أساس، ومن ضروريات الحياة المجتمعية في …