الرئيسية | إصدارات | كُتب عشتُ معها (10)/ «مذكرات سائح في الشرق العربي» لأبي الحسن الندوي

كُتب عشتُ معها (10)/ «مذكرات سائح في الشرق العربي» لأبي الحسن الندوي

أد. مولود عويمر

«مذكرات سائح في الشرق العربي» للشيخ أبي الحسن الندوي (1914-1999) هو أول كتاب استعرته من مكتبة الثانوية التي التحقت بها في سبتمبر 1984، وما زلت أتذكّر أوراقه الصفراء الملتصقة بعضها ببعض كأن لا أحد عرف القيمة العلمية والأدبية لهذا الكتاب أو قرأه من قبل رغم طبعته القديمة.
ولم يعاد نشر هذا الكتاب إلاّ بعد سنوات طويلة، ولما وجدته في عام 2001 معروضًا للبيع في واحدة من المكتبات العربية في باريس اشتريته بدون تردد. وقد أعدت قراءته مرات ومرات ولم أشعر مرة واحدة بالملل ممّا قرأت، فهذا الكتاب -كما يقول عنه صاحبه – صار «وثيقة تاريخية كبيرة، والوثائق التاريخية لا تفقد قيمتها وأهميتها مهما تقدم زمانها». وقام الباحث سيد عبد الماجد الغوري بجمع كلّ الرحلات التي قام بها الشيخ الندوي عبر العالم في كتاب ضخم متكوّن من 800 صفحة، ونشرته دار ابن كثير بدمشق في عام 2001.
لم يكن العالم الهندي الشيخ أبو الحسن الندوي غريبًا عليّ، فقد عرفته من خلال متابعاتي لأعمال وأخبار ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تنعقد في كلّ عام في الجزائر ويشارك في أعمالها، وكذلك عرفته من خلال مطالعة مقالاته في بعض المجلات الإسلامية وقراءة كتبه خاصة كتابه الشهير «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين». وقد صدر هذا الكتاب الأخير ضمن الكتابات العديدة التي ظهرت في السبعينيات والثمانينيات القرن العشرين للدفاع عن الاسلام ضد خصومه من المستشرقين والعلمانيين والماركسيين العرب.
قرأت كتاب «مذكرات سائح في الشرق العربي» في أيام قليلة في البيت وفي الحافلة التي كانت تنقلنا من بلدتي إلى ثانويتي التي تبعد عنها 14 كلم. رافقت الكاتب في رحلته من الهند إلى المشرق العربي بين يناير 1950 وأوت 1951، والتي زار خلالها الحجاز والشام ومصر، واتصل بعلمائها وأدبائها وساستها، واطلع على النهضة العلمية في هذه البلدان، وقدم أيضا سلسلة من المحاضرات حول الإسلام والمسلمين في الهند وإسهاماتهم في الحضارة الإسلامية، وعرّف بالشاعر المسلم محمد إقبال الذي لم يكن معروفًا بالقدر الكافي عند العرب الذين كانوا يعرفون أكثر الشاعر الهندي طاغور.
وتجد في هذا الكتاب المعلومات والشواهد الكثيرة عن الحياة الفكرية والأدبية في العالم العربي في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخنا العربي المعاصر، وقد رصدها الكاتب بذكاء حاد ووصف دقيق وحس نقديّ واضح خاصة للسلوكيات اليومية والعادات الاجتماعية التي تتنافى مع القيم الإسلامية أو نقد خالص لبعض الكُتاب والمؤسسات الثقافية التي كانت تساهم حسب نظره في تغريب المجتمعات العربية وتشجّع الإسفاف الفكري بين أبنائها.
ولم يقتصر أبو الحسن الندوي على التعبير عن خواطره ووصف مشاهداته بل كان يقارن من حين إلى آخر بين بلده الهند والدول التي زارها، فقارن على سبيل المثال بين الجامعة الهندية والجامعة المصرية، أو بين ارتفاع مستوى المعيشة في لبنان بينما لا تزال الهند «في مؤخر الركب وعلى حظ كبير من البساطة والزهد».
وحرص على مقابلة مشاهير المغرب العربي أمثال الأمير عبد الكريم الخطابي بطل حرب الريف، والشيخ محمد الخضر حسين الذي قال عنه: «وقد تذكرت برؤيته والحديث معه كثيرا من علماء الهند في الهدوء ورسوخ العلم». والتقى في بيروت بالعالم الجزائري الفضيل الورتلاني الذي وصفه بـ «مجاهد الجزائر الشهير» وصاحب «كلمة بليغة تشهد بأنه من كبار خطباء العرب».
ومن طرائف هذا الكتاب ما يؤكد المثل المعروف «لا نبي بين قومه» أو الحكمة الرائعة «أزهد النّاس بالعالم أهله»، فقد روى الشيخ الندوي قصة فشله في العثور على بيت الكاتب الشهير سيد قطب لجهل النّاس به: قال الشيخ الندوي في هذا السياق: «ومن بيت الشيخ الشرباصي توجهنا لزيارة الأستاذ سيد قطب، فقد طال العهد بزيارته، كنا قد نسينا عنوانه في البيت فلم نهتد إليه على كثرة السؤال وكثرة الدوران فرجعنا إلى القاهرة».
ولقد وفقني الله سبحانه وتعالى لرؤية الشيخ أبي الحسن الندوي في ملتقى الفكر الاسلامي المنعقد في مدينة الجزائر في عام 1988، وللاستماع إلى محاضرته التي لم تؤثر فيّ لأنه كان يقرأها حرفيا من أوراقه بينما كنت ميالاً إلى المحاضرين الذين يرتجلون محاضراتهم ويلقونها دون الرجوع إلى أوراقهم كما كان الحال آنذاك مع نخبة من العلماء المعروفين في ذلك الفضاء أمثال: الشيخ محمد الغزالي، الشيخ يوسف القرضاوي، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم والدكتور عبد الحليم عويس…الخ. وهكذا كنت أفضل دائما أن أقرأ مقالاته النفيسة وكتبه القيمة على الإنصات إلى محاضراته المقروءة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مع كتـــاب “شــخـصيــات وذكــريــــات” للـدكــتـــــور مـــولــــود عـــويــمـــر

د. عبد القادر سليماني*/ يعتبر الدكتور مولود عويمر واحد من القلة القليلة الني يمكننا أن …