الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | حبُّ الفلسطينــيــيــــن لوطـنـهم

حبُّ الفلسطينــيــيــــن لوطـنـهم

د. يوسف جمعة سلامة* /

أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بسنده عَنْ ذِي الأَصَابِعِ، قَالَ:»قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِ ابْتُلِينَا بَعْدَكَ بِالْبَقَاءِ، أَيْنَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْشَأَ لَكَ ذُرِّيَّةٌ، يَغْدُونَ إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَيَرُوحُونَ».
نستنبط من هذا الحديث فضل المقام في بيت المقدس، كما جاء فيه:»عليك ببيت المقدس»، «عليك» اسم فعل أمر، أي الزم بيت المقدس لفضل المقام فيه، كما نتعرف فضل الغُدُوّ والرَّواح إلى مسجد بيت المقدس، بما جاء في الحديث نفسه: «فلعله أن ينشأ لك ذرية، يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون»، ففلسطين عامة، وبيت المقدس خاصة هي الملجأ وقت اشتداد المحن والكروب.
لقد جُبلت النفوس البشرية على حبّ المكان الذي نشأت فيه وترعرعت في جنباته، وحفظت في ذاكرتها معالمه وطرقاته، فالوطن ذاكرة الإنسان فيه الآباء والأجداد والأحباب والأصحاب، كما قال فضيلة الشيخ/ محمد الغزالي – رحمه الله – : (والبشر يأْلَفُون أرضهم على مَا بِهَا ، ولو كانت قَفْراً مُستوحَشاً، وحبّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، وَيُدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغْضب له إذا انتُقِص)، فالوطن له حقٌ علينا وواجبنا الدفاع عنه.
والمحافظة عليه، فكيف إذا كان هذا الوطن هو بلادنا المباركة فلسطين التي رغّب رسولنا –صلى الله عليه وسلم – بالسُّكْنى فيها كما جاء في الحديث السابق؟.
أجلْ فَمَا من الوطن بُدٌّ، وما للإنسان عنه من منصرف أو غنى، في ظلِّه يأتلف الناس، وعلى أرضه يعيش الفكر، وفي حماه تتجمع أسباب الحياة، وما من ريب أن ائتلاف الناس هو الأصل، وسيادة العقل فيهم هي الغاية، ووفرة أسباب العيش هي القصد مما يسعون له ويكدحون، ولكن الوطن هو المهد الذي يترعرع فيه ذلك كله، كالأرض هي المنبت الذي لا بُدَّ منه للقوت والزرع والثمار.
حبّ الوطن والانتماء له
إن للوطن منزلة عظيمة في القلوب ومكانة كبيرة في النفوس، كيف لا؟ وهو الذي وُلدنا ونشأنا فيه، وتنفسنا نسائمه، يعيش فينا كما نعيش فيه، يحمل آمالنا وآلامنا وذكرياتنا، ولا نقبل عنه بديلاً مهما كانت الأسباب، ومهما مَرَّ به من خطوب، وصدق القائل:
بِلاَدِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيْزَةٌ… وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ
وهذا ما نتعلمه -نحن الفلسطينيين- من رسولنا –صلى الله عليه وسلم – حيث لاقى في وطنه ما لاقى من ظُلمِ أَهْلِ مكة وإيذائهم، ولكنه كان أكثرَ حبًّا وانتماء لوطنه، كما جاء في الحديث أنه –صلى الله عليه وسلم – قال مخاطباً وطنه مكة ليلة الهجرة: (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ).
لقد أحبَّ الفلسطينيون وطنهم وبلادهم المباركة اقتداء بنبيهم محمد – صلى الله عليه وسلم–، الذي عَلَّم الدنيا كلَّها حبَّ الأوطان والأماكن المباركة والوفاء لمسقط الرأس، حيث يظهر حبّه – صلى الله عليه وسلم – لوطنه مكة، وحرصه على العيش فيها لا يبرحها، لولا أنه – صلى الله عليه وسلم – أُخرج منها مضطراً مُرْغماً، ونحن اليوم بحاجة إلى أن نكون أكثر تمسُّكاً بوطننا وعدم مغادرته مهما كانت الأسباب، وأن يؤدي كلٌّ منّا واجبه المهني والوطني على أكمل وجه.
إن حبّ الوطن عطاءٌ وليس أخذًا؛ لذلك علينا أن نردَّ الجميل لوطننا بالمحافظة عليه، والعمل على ازدهاره وتقدّمه، والدّفاع عنه وحمايته من كل مكروه، فحبّ الوطن من الإيمان، والعيش فيه مع قسوة الحياة نعمة عظيمة لا يعرفها إلا من فقدها.
الدفــاع عـــن الوطن واجـــــبٌ
لقد حثت السنة النبوية الشريفة على حُبّ الوطن ووجوب الدفاع عنه والمحافظة عليه من كيدِ الكائدين واعتداء المعتدين، وجاء ذلك في مواطن كثيرة من السنة النبوية، ومن المعلوم أنَّ مَنْ دافع عن وطنه فهو شهيد، ومن قُتل دون وطنه فهو شهيد، كما جاء في الحديث الشريف عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –يَقُولُ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيد، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)، كما أنّ مَنْ تَوَلَّى وأعرض عن الدفاع عن وطنه فقد ارتكب إثماً عظيماً، لما جاء في الحديث: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبقَاتِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ).
لذلك فإننا بحاجة إلى العالِم والمعلّم و العامل والمُفَكِّر القدوة المحبّ لوطنه، الذي يعتزّ بانتمائه له، ويؤدي واجبه نحوه على أكمل وجه.
فما أحوجنا اليوم إلى تربية الأبناء منذ الصغر على حبّ الوطن كما علمنا ديننا الإسلامي، ويتحقق حبّ الأوطان بغرس الانتماء الإيجابي للوطن، وتقدير خيرات الوطن ومعطياته، والمحافظة على مرافقه ومُكتسباته.
دفاعُ شعبنا الفلسطيني عن وطنه
إن تاريخ شعبنا الفلسطيني حافل بالتضحيات الجسام التي قدّمها أبناؤه دفاعاً عن أرضه ومقدساته، وبدا ذلك واضحاً وجليًّا منذ وعد بلفور المشئوم في2/11/1917م، وما تبعه من أحداث عظيمة، أظهر فيها شعبنا الفلسطيني المناضل تمسُّكه بوطنه وأرضه ومقدساته، وقدّم في سبيل ذلك الغالي والنفيس، فجاد الفلسطينيون بأرواحهم، حيث قدَّموا مئات الآلاف من الشهداء، ومئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين والمبعدين، ومازال شعبنا الفلسطيني إلى يومنا هذا يُثبت في كل يوم بسالةً وقوة وتضحية وتصدِّيًا للمحتل البغيض، في دفاع منقطع النظير عن أرض فلسطين المباركة، أرض الإسراء والمعراج ومهد الرسالات، ففلسطين لا يمكن أن تُنسى، أو تُترك لغير أهلها، مهما تآمر المتآمرون وخطَّط المحتلون، الذين يسعون لطمس طابعها العربي والإسلامي، ومحوِ معالمها التاريخية والحضارية، ففي كل يوم تدفن جرافات الاحتلال الصهيوني جزءاً عزيزاً من تراثنا ، كما تتهيأ معاول الهدم لتقويض جزء جديدٍ آخر، وعلى صخرة تضحيات شعبنا الفلسطيني المرابط ستتحطم المؤامرات وعلى رأسها قرار الضَّم، إنهم يريدون لفلسطين عامة وعاصمتنا الأبدية مدينة القدس بصفة خاصة أن تندثر وأن يندثر أهلها، ولكن فلسطين والقدس يجب أن تبقى عربية إسلامية.
إننا نؤكد على تمسكنا بأرضنا المباركة فلسطين الحبيبة بصفة عامة ومدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك بصفة خاصة، وكذلك بكل مقدساتنا في ربوع فلسطين الغالية، كما نشدّد على تمسكنا بحقنا في العودة إلى أرض الآباء والأجداد، هذا الحق المقدس لملايين الفلسطينيين في مختلف أرجاء المعمورة، كما نؤكد على حقنا في إقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وحقنا في تقرير المصير، وخروج جميع الأسرى والمعتقلين من سجون الاحتلال؛ ليتنفسوا نسائم الحرية وليسهموا في بناء هذا الوطن كما أسهموا في الدفاع عنه.
فلسطين أمانة في أعناق الأمة
إن مسئولية الدفاع عن فلسطين والقدس والمقدسات ليست مسئولية الشعب الفلسطيني وحده وإن كان هو رأس الحربة في الذود عنها، بل إنها مسئولية العرب والمسلمين جميعاً في مساندة هذا الشعب، والوقوف بجانبه ودعمه للمحافظة على أرضه ومقدساته، لذا فإننا نطالب أبناء الأمتين العربية والإسلامية ألاّ يتركوا فلسطين الحبيبة وجوهرتها مدينة القدس وأهلها وحيدين، فالواجب عليهم دعم المقدسيين بصفة خاصة والفلسطينيين بصفة عامة؛ كي يبقوا ثابتين في أرضهم مدافعين عن الأقصى والقدس وفلسطين.
فبلادنا المباركة فلسطين ومدينة القدس تنتظر بشغف المواقف العربية والإسلامية التي تحميها من الضَّياع والاندثار وتحافظ عليها ؛ لتظل عربية إسلامية، كما أن المسجد الأقصى المبارك يخاطب الأمة قائلاً: أدركوني قبل فوات الأوان، فهل من مُجيب؟!.
أملنا في الله ثم في أمتنا كبير، فالليل مهما طال فلابدَّ من بزوغ الفجر، وإن الفجر آت بإذن الله، ويسألونك متى هو؟! قل عسى أن يكون قريباً.

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

كلنا فداك يا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –

د. يوسف جمعة سلامة* / يقول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ …