الرئيسية | قضايا و آراء | سؤال الهوية ومنطق اللاحسم 02

سؤال الهوية ومنطق اللاحسم 02

من جملة التّشوه الذي لحق شكل الدولة في العالم الإسلامي، إقحام سؤال الهوية في كلّ تحوّل سياسي أو ثقافي، والزّج به في أتون الجدل الإيديولوجي العقيم، الذي خلفته عملية تشكل المجال السياسي في هذه البلدان بعد التحرر والاستقلال، ونهاية الاستعمار المباشر، فسؤال الهوية حَفَّته جملة من المغالطات الفكرية بسبب التأثير الإيديولوجي المباشر في حياتنا الثقافية، فمن تأثر باليسار صاغ رؤيته لمفهوم الهوية يختلف عن من تأثر بالفكر القومي أو الإسلامي، وأصبح الأمر يحتاج إلى تحرير وتحديد لهذا المفهوم، بعد أن غاب بين ثنايا هذه الإضافات الإيديولوجية المسمومة.
لكن لو أخذنا المسألة بعيداً عن تلك التأثيرات الإيديولوجية، وألقينا نظرة إلى الواقع العربي الإسلامي، من أجل قراءة تاريخه الثقافي والحضاري، وأحببنا أن نصيغ مفهوماً للهوية يرتبط بجغرافيا المنطقة وأبعادها الحضارية، فإنّ الأمر لا يحتاج إلى جهد كبير، في وجود مكونات الهوية الوضحة (الإسلام واللغة)، وهو ما يقطع الطريق أمام تسرُّب مفاهيم شاذة صاغتها الفلسفة الحديثة، واستقطبتها الإيديولوجيات المتفلتة، فانشطر مفهوم الهوية إلى هويات متعددة، كلّ ذلك من أجل مَحو أثر الدين في صياغة مفهوم الهوية، وهو المقصد الأساس الذي تسعى إليه الحداثة الغربية المعاصرة، التي تشكّلت على خلفية العداء والصراع مع الدين، ومن هنا فمفهوم الهوية مفهوم إشكالي وغير مضبوط برؤية سليمة، كما قد يبدو لنا في واقعنا الثقافي، ولعلّ الجماعات الإيديولوجية، التي تملأ الساحة الثقافية والسياسية العربية والإسلامية، تشبعت بمفهوم الهوية المنجز في المجال التداولي الغربي، بكلّ ما يحمله من حمولة فكرية وفلسفية غربية، لها مبرراتها التاريخية والاجتماعية التي عرفها الغرب في مسيرة تطوه الحضاري.
سيظل سؤال الهوية يراوح مكانه، يبحث مليًا عن الإجابة، دون أن يتحوّل إلى صيغته الطبيعية المرتبطة بمجالنا التدولي، وسيظل يعيد إنتاج وضعه المأزوم، كما تسرب إلينا مصاحبًا لمفهوم الدولة الحديثة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …