الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441ﻫ 11-8-2020م
الرئيسية | اتجاهات | كــــورونــــا وأزمـــــــة الــثــقــــة

كــــورونــــا وأزمـــــــة الــثــقــــة

عبد العزيز كحيل /

استنتجت من الاستطلاع الذي أجريته على صفحتي على فيسبوك وفي بعض المجموعات (شارك فيه أكثر من 200 مثقفتا) أن أغلبية الجزائريين يعتبرون كورونا مجرد كذبة، لماذا؟ هناك العقلية الخرافية التي تفل التفسيرات الغريبة العجيبة، وهناك عقلية المؤامرة المنتشرة بين كثير من الشعوب خاصة في العالم الثالث والتي تغذيها أطراف إعلامية حتى في الغرب، وهناك تكذيب كل ما ليس ملموسا!! رغم أن الفيروس ملموس لدى العلماء وضحاياه.
لكن في الحالة الجزائرية تبيّن من الاستطلاع أن الناس ينكرون وجود الوباء لأنهم لا يثقون في السلطة، والذي يعنيني هنا ليس هذا الجدال بين ما يؤكد ومن ينكر وإنما شيء أخطر منه، هو أزمة الثقة بين الشعب والنظام الحاكم، وأبدا بالسؤال الجوهري : كيف لمثل هذا النظام أن يشيّد جزائر جديدة وهو لا يملك أدنى مصداقية لدى مواطنيه؟ لا يثقون في إعلامه و بياناته وإحصائياته ولا في وزرائه ولا أطبائه ولا «إنجازاته»، فكيف يثقون في وعوده؟ يكفي أن تؤكد السلطة شيئا ما ليكذبوه، ويكفي أن تكذّب أمرا ليصدقوه… كانوا لا يثقون في وعود الدولة فأصبحوا بعد التجارب المريرة لا يصدقون حتى الواقع الذي تصفُه وتعالجه وتجاريه إعلاميا بطريقة منتظمة… كيف يمكن لها أن تتكلم باسم المواطنين وتعطيهم وعودا أخرى وهم صاروا يشككون في ملموسها فضلا عن وعودها؟ لا يصدقون لا المحاكمات ولا إدخال بعض المسؤولين السجن ولا دستورا جديدا.. إنه الشرخ بين السلطة والشعب.
أعداد المصابين والموتى لا تجدي نفعا في مناقشة المشككين لأن مشكلتهم مع السلطة التي تتولى تسيير قطاع الصحة وقد وصلوا إلى قناعة راسخة هي أن جميع المتكلمين باسمها يكذبون ويهوّلون ويبالغون، ويستندون في هذا إلى ما يقولون إنه تناقضات في الأرقام ومخالفة للميدان ونحو ذلك من الحجج، مع العلم أن الكلمة الآن لفيسبوك ويوتيوب وليست للتلفزيون ولا الإذاعة ولا الجرائد.
هذا الوضع نتج عنه ذلك الاستهتار الكبير بالوباء الذي أدى إلى تفاقم الحالة بشكل مفزع.
إنّ الجزائري والعربي والإنسان العالم ثالثي عموما يشكك في وجود كورونا وفي صعود الأمريكان إلى القمر، وباسم القرآن والسنة ينكر بعض المسلمين كروية الأرض ودورانها، لكن هذا الإنسان يؤمن إيمانا راسخا وعنده علم اليقين أن كل مشاكله وإخفاقاته بسبب العيْن!!! ويؤمن بأن المرأة يمكن أن يسكنها جن عاشق ويفعل بها ما يفعل الآدمي بالآدية… يؤمن بهذا ويأتيك بالشواهد التي لا تصمد أمام العلم، ويكذب الشواهد التي يثبتها العلم بالأدلة القاطعة.
أزمة الثقة هي أخطر شيء: كورونا شيء خطير لكن أزمة الثقة بين السلطة والمجتمع أمر أخطر لأنه لا يخص عشرات ولا مئات من الناس بل هو أكبر حجر عثرة أمام بناء الدولة القوية، لذلك بدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم – مرحلة الدعوة بالثقة الدولة بالثقة، فعندما أمر بالجهر بالدعوة صعد الصفا وجمع سكان مكة وطرح عليهم هذا السؤال: لو أخبرتكم أن جيشا خلف هذا الوادي يريد الإغارة عليكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا ما جربنا عليك كذبا قط»… إذًا أقام عليهم الحجة بمسألة الثقة وأقروا أنه معروف بالصدق، بذلك بدأت رحلة الدعوة الجهرية وقد انتصر فيها، وعشية غزوة بدر – وهو صلى الله عليه وسلم بصدد تثبيت أسس الدولة في المدينة – طرح بيان ثقة على الأنصار (الذين كانوا شارطوه على حمايته فيها وليس على انطلاق هجوم منها على خصومه)، فقال المتكلم باسمهم «لو خضت بنا غمار البحر لاتبعناك ما تخلف منا رجل قط»، فنال الثقة التي تؤهله لتسيير الدولة.
أين حُكامنا من هذا؟ حتى الثقة التي يمنحها البرلمان للحكومات المتعاقبة مجرد إجراء شكلي لا يرقى إلى مستوى الفعل السياسي، فهي ليست ثقة بالمعنى القائم في الغرب بل مجرد تعبير عن الرضوخ للأمر الواقع، وها هي الدول المتطورة تعطينا الدرس العلمي الميداني: عندما تتوفر الثقة بين السلطة والشعب فإن ذلك لا علاقة له بأي كلام أدبي عاطفي بل تعبّر عنه مؤسسات قوية راسخة محترمة تثق بالشعب ويثق بها ويدافع عنها ويطورها ويحميها بنفسه، فالثقة هنا ليست في الأشخاص كما هو حال العالم الثالث وإنما في المؤسسات، فالدولة القوية دولة المؤسسات وليست دولة الزعماء الملهمين والشخصيات التاريخية أو الثورية أو الخارقة للعادة، ومعلوم أن هناك فرقا شاسعا بين دولة المؤسسات وبين دولة الشعارات ، الأولى تقوم على الثقة والثانية على الخرافة والوهم والنفاق.
بالعود إلى كورونا كثيرا ما يعبر الناس عن التشكيك في وجوده بقولهم «نريد الملموس»، هذا لا يعني كفرهم بعالم الغيب (والفيروس من عالم الشهادة وليس من عالم الغيب) بل يعني يأسهم من الوعود، فقد شبوا وشابوا على شعارات تسليم المشعل للشباب وتحقيق العدالة الاجتماعية واستقلالية القضاء ونحو ذلك ولم يلمسوا منها أي شيء فرموا الرضيع مع ماء الحمام كما يقول المثل الفرنسي، وهناك درجة أعلى من هذا هي تعميم أزمة الثقة في المجتمع كله، فالمرضى لا يثقون في الأطباء لأنهم مجرد تجار وفي الجزارين لأنهم يخلطون اللحم الجامد بالطازج، ولا بائعي الخضر لأنهم يسرقون في الميزان و في أي مسؤول لنهم جميعا مرتشون، ولا في الأئمة لأنهم موظفون يشتري بآيات الله ثمنا قليلا…

عن المحرر

شاهد أيضاً

كلام علمي في سنّة الاختلاف

عبد العزيز كحيل / الاختلاف في الآراء والفهوم والاجتهادات ووجهات النّظر سنة ماضية في خلق …