الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441ﻫ 11-8-2020م
الرئيسية | وراء الأحداث | الذكرى الثامنة والخمسون لاسترجاع الاستقلال الوطني: دروس التاريخ الذي مازال مستمرا

الذكرى الثامنة والخمسون لاسترجاع الاستقلال الوطني: دروس التاريخ الذي مازال مستمرا

أ. عبد الحميد عبدوس /

حلت يوم الأحد 5 جويليه 2020 الذكرى الثامنة والخمسون لاسترجاع الاستقلال الوطني ذلك العيد الذي توج ثورة نوفمبر المجيدة التي شكات آخر فصل بطولي وحاسم في الملحمة الجهادية التي خاضتها الأجيال الجزائرية المتعاقبة ضد المحتل الفرنسي من عهد الملك شارل العاشر سنة 1830 إلى عهد شارل ديغول(رئيس الجمهورية الفرنسية من في 8 جانفي1959 إلى 28 أبريل 1969) ولعلّ من أكثر الشخصيات الاستعمارية الفرنسية ارتباطا بوقائع الثورة الجزائرية العظيمة، شخصية الجنرال شارل ديغول الذي يزعم البعض أنه هو من تكرم على الجزائر بمنحها استقلالها، فرغم مرور عشرات السنين على استقلال الجزائر، مازال بعض المثقفين والمؤرخين والسياسيين العرب وغير العرب يرددون هذه المقولة المغرضة، ومن بين هؤلاء المضللين جون- ميشال جاك، أحد قادة حزب «الجمهورية إلى الأمام» الذي يتزعمه الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، حيث زعم أن: «نهاية حرب الجزائر لم يكن نتيجة لهزيمة عسكرية ولكن كانت نتيجة قرار سياسي متعمد..».
صحيح أن الجنرال شارل ديغول كان أول حاكم في فرنسا المحتلة اعترف بحق الشعب الجزائري في تقرير المصير في 16 سبتمبر 1959 ،ولكنه يردد قبل ذلك أنه: «منذ خلقت الدنيا لم يعرف التاريخ وحدة للشعب الجزائري أو بالأحرى سيادة له.» لقد ظل الجنرال شارل ديغول منذ عودته إلى سدّة الحكم في فرنسا في جوان 1958 متمسكا بهدف تحقيق نصر عسكري كامل على الثورة الجزائرية، ففي مارس 1960أ ي قبيل ثلاثة أشهر من انطلاق مفاوضات مولان بين ممثلي الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية السيدين محمد الصديق بن يحي وأحمد بومنجل ـرحمهما الله ـ وممثلي حكومة الاحتلال الفرنسية روجي موريس (الكاتب العام للجنة المكلّفة بالقضية الجزائرية في رئاسة الجمهورية الفرنسية) والجنرال غاستين (خبير في الشؤون العسكرية)، والكولونيل ماتون، أدلى الجنرال ديغول بتصريح أمام الجيش الفرنسي قائلا:» لابد من الخروج بالنصر من المواجهة المسلحة، وحتى إن وضع المتمردون السلاح، فإنه على جنودنا حمله… وبما أنني أعلم أنهم لن يضعوه فعليكم أن تذهبوا إليهم لافتكاكه منهم».
كانت استراتيجية الجنرال ديغول في الجزائر قائمة على سياسة القبضة الحديدية على الثورة الجزائر وتشديد الخناق على المجاهدين في الداخل ومحاولة غزلهم عن القاعدة الشعبية من خلال المناطق المحرمة والمحتشدات و المعتقلات والسجون وتعيين الجنرال موريس شال صاحب خط شال المكهرب حاكما عسكريا في الجزائر وإطلاق العمليات العسكرية الكبرى في مختلف ولايات الوطن على غرار عملية «الأحجار الكريمة» التي أطلقت في سبتمبر1959 ب10 ألاف جندي لخنق الولاية الثانية، وعملية جومال (المنظار) لخنق الولاية الثالثة من 22 جويليه 1959 إلى 4 أفريل1960، وعملية كورون (التاج) في فيفري 1959 في الولايات الخامسة والرابعة، وعملية (كوروا) في الولاية الرابعة وجزء من الولاية السادسة في 1959، وعملية إيتانسيل (الشعلة) في 1959شملت جزء من الولايات السادسة والرابعة والثانية والأولى… واستمرت هذه العمليات المختلفة حتى أكتوبر 1960 في الولاية الأولى، كما امتدت إلى الحدود الجزائرية التونسية، وكان المجهود العسكري الفرنسي يستفيد من دعم الحلف الأطلسي، وبعد فشل هذه العمليات العسكرية الكبرى في القضاء على الثورة الجزائرية، وإطفاء شعلة التحرر في صدور الشعب الجزائري المجاهد، حاول الجنرال شارل ديغول تعويض الفشل العسكري بتحقيق نصر سياسي من خلال مفاوضات إيفيان التي كانت انطلاقتها الأولى في 20 ماي 1961 بمدينة إيفيان السويسرية، واستمرت بين مد وجزر بين وفد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ووفد الحكومة الفرنسية، وكانت أبرز عقدة فيها هي محاولة الوفد الفرنسي الاحتفاظ بالصحراء الجزائرية تحت السيادة الفرنسية وفصل جنوب الجزائر عن شماله، وأخيرا تم توقيع الاتفاق على وقف أطلاق النار بين الجانبين المتحاربين الجزائري والفرنسي في 18مارس 1962 بين رئيس الوفد الجزائري نائب رئيس الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية المجاهد العقيد كريم بلقاسم ـرحمه الله ـ وبين رئيس الوفد الفرنسي لويس جوكس، وزير الشؤون الجزائرية، ودخل حيز التنفيذ في اليوم الموالي الذي أصبح عيدا للنصر في الجزائر.
في جويليه 1962 خرجت فرنسا من أرض الجزائر مهزومة مذمومة بعد 132 سنة من احتلال وحشي خلف ملايين الشهداء ومئات الآلاف من المعطوبين والمهجرين، وتركت وراءها خرابا متعمدا فالإدارة مشلولة، والاقتصاد مخرب، والتعليم منكوب، ونسبة الأمية جد مرتفعة، فقد غادرة 15 ألف أستاذ فرنسي الجزائر بعد الاستقلال، كما لم تكتف فرنسا بسرقة جماجم الشهداء، وتهريب وثائق الأرشيف المتعلق بفترة احتلالها للجزائر من 1830إلى 1962 بل نهبت حتى الأرشيف الخاص بالفترة العثمانية، إدراكا منها لما للأرشيف من أهمية ثقافية وإدارية واقتصادية، فبعض الوثائق التي هربت إلى فرنسا تحتوي على بيانات فنية وخرائط لشبكات الصرف تحت الأرض وأنابيب الغاز وخطوط الكهرباء، وفي 28 أكتوبر 1962غادر الصحفيون والتقنيون الفرنسيون مبنى الإذاعة والتلفزيون احتجاجا على رفع العمال الجزائريين للعلم الوطني على مبنى الإذاعة والتلفزيون، وإنزال العلم الفرنسي. وراهن الصحفيون والتقنيون الفرنسيون بعد انسحابهم ومغادرتهم للجزائر على استحالة استغناء قطاع السمعي البصري الجزائري عن خدماتهم . وبذلك خططت فرنسا بعد خروجها لترك الجزائر دولة بلا إطارات، وشعب بلا ذاكرة، وبلد بلا صوت، حتى تتحقق المقولة المنسوبة إلى الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال شارل ديغول: «سوف نعود إلى الجزائر بعد خمسين سنة، وبدون حرب».
ولعل الرد المناسب على هذه الجرائم الفرنسية التي لا تنسى ولا تغتفر ولا تسقط بالتقادم هو تسفيه أحلام المتربصين باستقلال الجزائر، بإصدار قانون جزائري يجرم الاستعمار الفرنسي بصفة واضحة، ويؤكد للمتشككين والمرجفين أن الجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد قد أصبحت قولا وفعلا بلدا مستقلا، سيد مصيره، وغير مقيد في قراراته، ومتصالح مع ذاكرته، وفخور بتاريخه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رغــــم كـــل شـــيء، عيـــدكــم مبــــارك .. !

أ. عبد الحميد عبدوس / مازال العلمانيون المتفرنسون الغارقون في جهلهم للإسلام يتقيئون حقدهم على …