الأربعاء 10 ذو القعدة 1441ﻫ 1-7-2020م
الرئيسية | عين البصائر | كـــتــــب عــشـــت معهــــا (9) «ابـــن الفـقــيـــــر» لـمــولـــود فـــرعــــــــــــون

كـــتــــب عــشـــت معهــــا (9) «ابـــن الفـقــيـــــر» لـمــولـــود فـــرعــــــــــــون

أد. مولود عويمر /

 

كان الفضل لمعلم اللغة الفرنسية السيد حساني في اكتشاف رواية «ابن الفقير» للكاتب الجزائري مولود فرعون (1913-1962) والتي كانت مقررة في منهاج السنة السادسة ابتدائي. قرأنا نصا مقتبسا منه وحللناه في القسم، غير أن المعلم الذي كان مغرما بهذا الأديب لم يقتصر على هذه القراءة التحليلية، فقد فرض علينا حفظه عن ظهر القلب، ولم تنته الحصة حتى حفظه كل التلاميذ.
ولما عدت إلى البيت توجهت مباشرة إلى الخزانة التي نحتفظ فيها بالأغراض المدرسية والكتب فوجدت لحسن الحظ نسخة من كتاب «ابن الفقير» التي كان يملكها أخي الأكبر، فقرأتها على فترات متقاربة بدون ملل وأنا استمتع بأسلوبه الجميل ووصفه الدقيق للحياة اليومية القاسية في قريته التي تشبه كل قرى جبال جرجرة، ويحلّل الظواهر الاجتماعية والذهنيات البشرية المتصارعة بين الأصالة والمعاصرة.
وبعد عام انتقلت إلى المتوسطة حيث درست نصا آخر من كتاب ابن الفقير في حصة اللغة الفرنسية. وقد كلفتني الأستاذة بقراءة هذا النص المقرر.
وبعد القراءة سألت الأستاذة التي تعوّدت على مناداتنا بالألقاب، ولم تحفظ بعد أسماءنا، هل يوجد في القسم تلميذ يحمل اسم مولود مثل الكاتب؟ رفعت أصبعي للإجابة، فقالت الأستاذة: لا، أريد مشاركة أخرى.
لم يرفع أحد أصبعه للإجابة، فغضبت الأستاذة، وقالت: لماذا نفس الشخص: يقرأ لكم النص ثم يجيب أيضا عن السؤال نيابة عنكم؟ فنطق زملائي بصوت واحد: يا سيدتي إن عويمر هو الوحيد الذي يحمل اسم مولود، فكيف لنا أن نرفع أصابعنا ونحن لا نحمل هذا الاسم؟ فضحكت الأستاذة الصارمة جدا، واغتنمنا جميعا «لحظة الغفلة» التي كنا نعيشها، فضحكنا معها قبل أن تعود بسرعة إلى جديتها، وتشرع في دراسة النص في هدوء تام.

 


فرحت لما وجدت كاتبا مشهورا اشترك معه في الاسم، ويناديه الناس وهو صغير فورولو كما كان الناس ينادونني باسم قريب منه، ولم أُعرف إلا به لمدة 10 سنوات. وقد اغتنمت فرصة احتفال العائلة بالانتقال إلى المسكن الجديد فخاطبتهم قائلا: نحن الآن نعيش في حي جديد ولا أحد يعرف اسمي المحرّف، وأنا لم أعد صبيّا، لذلك أطلب من الجميع أن يناديني من الآن مولود.
وحرصت على تطبيق الجميع توصيتي فكنت لا أرد ولا أتحدث إلا مع من يناديني باسمي، ودام ذلك سنة أو أكثر مع المعاندين ثم نسيّ الجميع الاسم القديم ولا يتذكره اليوم أحد.

وجدت أيضا في أغراض أخي الأكبر كتابا آخر وهو «الأرض والدم» الذي لم يعجبني كثيرا، ولم أقرأ منه إلا بعض الفصول. وقرأت أيضا كتابه «يوميات» الذي تناول سنوات الثورة التحريرية قبل استشهاده في 15 مارس 1962، لكنني لم أشعر بالشوق إلى كتاب «ابن الفقير» إلا عندما عشت في الغربة، حيث يحن الإنسان من وقت إلى آخر إلى الوطن وإلى كل ما يتصل به من العادات والثقافة والفنون…الخ.
وكان هذا الكتاب من الكتب التي كنت أستعيرها من المكتبة في مثل هذه المواقف والظروف. وقمت مرة بإعارته لصاحبة الدار الكبيرة التي كنت أحد نزلائها في مدينة بواتييه لما كنت أحضر شهادة الماجستير ودبلوم الدراسات المعمقة قبل أن أنتقل إلى جامعة باريس لإعداد رسالة الدكتوراه.
هذه السيدة الفرنسية مدام مارت شغوفة جدا بالقراءة والكلمات المتقاطعة، وكانت قبل التقاعد مديرة لمعهد تكوين المعلمين وكان زوجها فرناند مفتشا للتعليم الابتدائي. وكان يملكان بيتا كبيرا في الحي العتيق في وسط المدينة غير بعيد عن الجامعة التي مازالت تحافظ على بناياتها القديمة من عهد الطالب العبقري رونيه ديكارت.

تتكوّن الدار الكبيرة من 20 غرفة وأستديو ويقوم السيد والسيدة آمبير بكراء بعضها للطلبة الجامعيين بين شهر سبتمبر وشهر جوان. وكنت أحد نزلائها المحظوظين، وأتبادل معهما الكتب واستفيد مجانا من اشتراكاتهما في المجلات الثقافية والسياسية الأسبوعية التي كانت تصلهما عن طريق البريد.
قرأت السيدة مارت آمبير رواية «ابن الفقير» وقالت لي بعد ذلك أنها كانت متأثرة جدا بالقصة لأنها عاشت مع أخيها الوحيد المدلل المشاكس ما عاشته البنات في قرية فرعون جراء الهيمنة الذكورية السائدة في هذا المجتمع المحافظ، وعانت أيضا من قسوة الحياة اليومية في الريف الفرنسي ما بين الحربين العالميتين.

حقا إن الثقافة الفطرية أو التشكلات الثقافية «للمغامرات الأولى للعقل» -كما يسميها علماء الأنثروبولوجيا- متشابهة في كل الثقافات والحضارات.

عن المحرر

شاهد أيضاً

المظاهرات ضد العنصرية مستمرة في أمريكا و العواصم الأوروبية

أ. محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا / لم تكن حادثة مقتل جورج فلويد في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *