الخميس 11 ذو القعدة 1441ﻫ 2-7-2020م
الرئيسية | كلمة حق | رئيس لجنة تعديل الدستور يستفزّ الشعب الجزائري

رئيس لجنة تعديل الدستور يستفزّ الشعب الجزائري

أ د. عمار طالبي /

إن أي دستور لأية أمة في العالم يستمد مواده من قيم الشعب وتراثه الحي، وتاريخه وثوراته، وإذا سلّمت أمانة وضع تعديل دستور لجماعة يفترض أنها وفيّة لشعبها، وقيمه، ودينه، ولغته، فهل يجوز لها أو لأحدها أو لرئيسها أن يخون هذه الأمانة، وأن يستفزّ الأمة في أنها ليست أمة المؤمنين، فهل هي أمة انسلخت من دينها وإيمانها، وتنكرت لقيمها؟
إن تصورات مثل هذا السيد، وما يكمن في لا شعوره من عِلمانية أو إن شئت لائكية ظهر في فلتات لسانه، كما قال الإمام علي كرم الله وجهه: «ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في صفحات وجهه، وفلتات لسانه».
إذا كان الإسلام هو دين الدولة والشعب، في هذا الدستور وغيره، فكيف يمكن أن يصرح هذا السيد بما صرح به؟ فهل الشعب الجزائري ليس مؤمنا بالإسلام شديد الإيمان، ولا يرضي بغيره بديلا؟ إن هذا لمصادمة وإنكار لما يقدم عليه من دستور يعبّر عن حقيقة الشعب وعمقه، ورموزه، وذاتيته، وتاريخه وواقعه. إننا نربأ من أن يتولى أمثال هؤلاء وضع مواد في الدستور أو أن يوثق بهم، وبأمانتهم، وصدقهم، وإن علموا ما علموا من علوم الدساتير إن لم يكونوا من عجينة الأمة وعمقها، والإيمان بقيمها، وهذا حرّ فيما يراه ويعتقده من العلمانية الغربية، والتكوين الذهني الذي ألفه وآمن به، لكن ليس له الحقّ أن يفرض ذلك على أمة مؤمنة، لا يريد أن يضع دستورا للمؤمنين، وإنما للمواطنين، وهل هؤلاء المواطنون غير مؤمنين؟ وهل المواطنة تتنافى مع الإيمان وإذا كانت فئة مّا مثلا غير مؤمنة، فهل الدستور يوضع للأغلبية أم لفئة معينة غير مؤمنة، وإذا كانوا يقولون إنه ابن شهيد، فهل ابن الشهيد يتنكر لوالده أم يكون وفيّا له، والشهادة إنما هي رمز للمؤمنين الذين يضحون بأرواحهم في سبيل دينهم، ووطنهم، وحريتهم، لذلك ينالون الشهادة عند ربهم يوم لقائهم، والجزاء عليها.
نحن نعلم أن هناك جماعة يؤمنون بالعلمانية وأنها سبيل التقدم كما وقعت في الغرب، ألا يعلم هؤلاء أن الصراع بين الكنيسة وبين السلطان، ومظالم الكنيسة، وعداوتها للعلم، وإعدام العلماء، والتشبث بالإقطاع هو الذي جعل الغربيين يبعدونها عن الشؤون العامة، وعن الحياة السياسية وغيرها، ليتحرروا من مظالمها، والمسيحية في حقيقتها تقوم على فصل الدين عن السياسة، والإنجيل صريح في هذا أشد الصراحة، «ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» أما الإسلام فلا كهنوتية فيه، ولا ثيوقراطية، ولا يزعم أي حاكم أنه يستمد سلطته من الله أو أنه يوحى إليه.
بل السلطة مصدرها الأمة فهي التي تولّي، وهي التي تعزل، وهي وليّة أمر نفسها، ولا ولاية لغيرها عليها، من مستبد أو متغلّب يتولى السلطة بالقوة العسكرية، فهذا لا مشروعية له، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذا أمر معترف به لدى الدارسين للإسلام من غير أهله، فالإسلام ديني سياسي، والمسيحية دين روحاني.
فليقرأ هذا السيد تاريخ أوربا، وليقرأ تاريخ الإسلام، ودستور المدينة المنورة ومواده، فإنه دستور المؤمنين من المسلمين واليهود والنصارى جميعا، ولكنه ليس دستورا للمشركين والمنافقين الذين يحاربون الأمة الجديدة، وينقضّون عليها من كل جانب بالمكر والخديعة والحرب.
فكم من دعاة للعلمانية ندموا وتراجعوا فإن كل إصلاح للأمة من غير دينها تخريب لها، وتهديم لصرحها، فيما يقول الشيخ مبارك الميلي رحمه الله: وليعتذر هذا السيد للشعب، أما في نفسه فهو حرّ يعتقد ما يشاء من علمانيته وغيرها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ…

أ د. عمار طالبي / هذه الآية وردت بأخذ الحذر من العدو في الحرب، والعدوان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *