الرئيسية | هل ما تزال الدراسات الإستراتيجية تخطط لتقسيم العالم الإسلامي؟

هل ما تزال الدراسات الإستراتيجية تخطط لتقسيم العالم الإسلامي؟

أ. د. عمار طالبي
نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

إن أحداث 11 سبتمبر 2001 هيأت فرصة وذريعة ماكرة لتنفيذ إستراتيجية الهيمنة على العالم الإسلامي لأن الولايات المتحدة بعد زوال خصمها اللدود الاتحاد السوفياتي جعلت العالم الإسلامي هو الخصم والعدو الجديد، وترجع بنا هذه المخططات إلى إشعال أزمة في العلاقات بين الإسلام والمسيحية، ونشطت منظمة «المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل» ووجد المحافظون الجدد ذرائع وفرصا للهجوم على الإسلام ومعاداته، ومنهم من اخذ طريقة الشتم، والإساءة والتشكيك في وجود الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نفسه وجودا تاريخيا، وكتب روبرت بروس سبنسر كتابه: هل وجد محمد، والبحث في الأصول الغامضة للإسلام؟
«Did Muhammad exist an inquiery into Islam obscure origins».
كما كتب كتابا آخر: «الحقيقة حول محمد: مؤسس الدين الأكثر تعصبا».
ووُصف الإسلام بالنازية والفاشية، كما فعلت الصحافية الإيطالية أوريانا فلاش Oriana fallach وتصدى المؤرخ برنار لويس، كعادته لتأكيد صراع الحضارات، مثل صامويل هنتنقنون في كتابه: «صراع الحضارات» ويرى أن مشكلة الغرب تكمن في الإسلام ذاته، لا في مجرد المتطرفين الإسلاميين، لأنه يمثل حضارة قائمة بذاتها، فهي التي يمكن أن تواجه الغرب، وخشي بعضهم من الإسلام الزاحف إلى أوربا، وأن قوة الإسلام تقوم في العامل الديمغرافي، وأنه ديانة شريرة، ذات عنف لا تسامح فيه، وكما يقول إدوارد سعيد بصدد موقف الغرب من الإسلام: «يجب أن لا ننسى أن الإسلام هو الثقافة الوحيدة غير الأوربية التي لم تُغلب، ويريد الغرب السيطرة الشاملة الدائمة، وفرض نموذج ثقافته وقيمه وفكره على غيره، وبناء إستراتيجية قوية بزعامة أمريكا مستعملة إسرائيل رأس حربة لها في الشرق الأوسط، وهذا ما يمثل العقلية التوسعية، وجنون العظمة، فهل تمتدّ هذه السيطرة إلى مقاومة أقطاب أخرى أخذت تنشأ مثل روسيا، والصين، والهند، واليابان؟ بل أوربا نفسها التي أخذت تبتعد عن سياسة أمريكا الحالية في عهد ترمب الذي أخذ في معارضة هذه الأقطاب، وانعزال أمريكا عن العالم سوى إسرائيل، بتصرفاته تصرف رجل أعمال، وبهذا كله حل العالم الإسلامي مكان الشيوعية وأصبح هو العدو، يوجه إليه التفكيك.
أخذت أمريكا تشعر بتهديد الصين، لأنه هو القوة في المستقبل، وغير الصين أيضا ممن أشرنا إليه، والعداوة للإسلام أصبحت لا على أساس إيديولوجي، وإنما على أساس الثقافة والدين، والمصالح الاقتصادية.
إن آسيا لم تبق كما كانت متفرجة على ما يجري في الغرب، بل أخذت تسارع إلى الصدارة في الإبداع، والنمو في التقنية والاقتصاد بقوة، بما في ذلك بعض الدول الإسلامية مثل ماليزيا، إلا أن ما كنا نتوقعه من التعاون الإسلامي وتآزره في منظمة التعاون الإسلامي ليس له أي أثر في مواجهة المشاكل والتحديات، ويزداد التخلي عن قضية فلسطين وخاصة في أوساط عرب الخليج الذين يتهافتون على التطبيع مع إسرائيل والهرولة إليها دون تردد، وما يزال التهويد، وحصار السكان وتدميرهم في منازلهم وخارجها، يتسارع في الأرض المقدسة، لم تعد للمسلمين هيبة، وأخذ الشعور بالإحباط يجرّ شباب المسلمين إلى الهجرة، والانتحار في البحار، لعجز النظم القائمة عن النمو العلمي، والاقتصادي وضمان العيش الكريم.
والداء الوبيل الذي يهدده ويقطع أوصاله ما يستعمله الغرب من زرع فتنة العرقية والطائفية، وإيقاد النيران بين السنة والشيعة، ونرى اليوم إنشاء تحالف عربي إسرائيلي في قلب العالم الإسلامي، ويصرّح وزير الخارجية الأمريكية جهرة في هذه المنطقة العربية، ويزعم أن هذا من أجل أمن أمريكا وإسرائيل، هذه إمبراطورية في أقصى الغرب تخاف على أمنها من نظم واهنة ضعيفة تتآكل يوميا، إذا كان سايكس-بيكو أعقبه تحالفه مع بعض العرب ضد الدولة العثمانية فها هو هذا التحالف الجديد يعيد الكرّة مرة أخرى، فإنه تحالف لتقويض الأمة الإسلامية باحتلال الخليج الذي تمخر فيه اليوم البوارج الأمريكية، والغواصات الإسرائيلية، وإرساء القواعد الروسية البحرية والبرية في شواطئ البحر الأبيض من شواطئ سوريا، إن العدو في عقر دارنا، وأتت به نظم سياسية خائنة للتاريخ، وجاهلة لتاريخ إسرائيل، ونقضهم لكل عهد وميثاق.
إن هذا التحالف إنما هو سلاح مسموم يقصد به ثورة مضادة لثورات الربيع العربي، باسم محاربة الإسلام السياسي، وهذا اصطلاح خادع يستعمله الغرب وتبعهم المسلمون، ليس هناك إلا إسلام واحد، والسياسة مقوّم من مقوماته في أصوله النظرية ونصوصه الصريحة، وبرهانه تجارب التاريخ ابتداء من دستور المدينة المنورة، قصد بهذا التحالف إجهاض أية نهضة إسلامية يخشاها الغرب، ومع الأسف نجد بعض الحكام ينفذون أوامر عدوهم الذي تمكن من اختراق نظم هؤلاء الحكام، وبعض الأحزاب والفرق الدينية الجاهلة الغبية تساق سوق قطيع عجول أو غنم.
كما اخترقت العرقيات، وما يجري في أكراد العراق وسوريا، وما يجرّ إليه بعض من يزعم أنه يتكلم باسم الأمازيغ، تحركهم جهات مشبوهة، ولهم صلة بإسرائيل ذاتها، مع أن العرب والأمازيغ عاشوا قرونا متزاوجين متمازحين، لا صراع لغوي ينشب بينهم، إن الدول التي نشأت في المغرب الإسلامي أمازيغية في طابعها العام، فهؤلاء المرابطون والموحدون، وما تفرع عنهم من المرينيين والزيانيين والحفصيين يدافعون عن الإسلام، ويقدسون العربية لسان القرآن، وجعلوها لسانهم الرسمي في هذه الدول كلها، ولم يسبق في التاريخ أن أصبحت مقاليد الأمازيغ بأيديهم إلا في عهد الإسلام، وكانوا من قبل محتقرين، يستعبدهم الرومان والبيزنطيون، ولا يقيمون لهم وزنا.
ويهوّل الإستراتيجيون الغربيون الديمغرافي الإسلامي، ويجعلونه خطرا داهما وأن أوربا ستصبح مسلمة في نهاية هذا القرن، وأن الإسلام يُقدم على تغيير فرنسا وأوربا، وأن المهاجرين وأبناءهم ثم أحفادهم طابور خامس، لا ينسى ثقافته ودينه، تعجب أحد القساوسة في فرنسا من أن 50% ممن يولد فيها يسمى محمد، وكأن الإسلام هو الذي يواجه المسيحية في أرضها، كما أن بعض الأمريكان في دراساتهم ينتهون إلى أن الإسلام خطر على القيم الغربية، وأنه سيمتد إلى أمريكا، بعد أن اجتاح أوربا، فالمسيحية مهددة بفرض الشريعة الإسلامية في أرجائها، وأن «الإسلاموفاشية» تهدد الحضارة الغربية، فمن الضروري عندهم إلحاق الهزيمة به، ويتخوفون من هذا النمو الديمغرافي الإسلامي المتواصل في أوربا، والسبيل إنما هو المواجهة بتحالف دولي، للقضاء على تهديد المسلمين للعالم الغربي، لم يكتفوا بالحلف الأطلسي، بل لابد من إستراتيجية أخرى تسانده وأحلاف أخرى، وهنا يدعو طوني بلير إلى رؤية تتسع إلى الحرب على «الإسلاموية المتطرفة» ويشمل مسلمي روسيا والصين، وما أصبح يهدد المصالح الإستراتيجية للغرب وعدد المسلمين الذي بلغ في أوربا حوالي أربعين مليونا، وهو في ازدياد خطير في نظرهم، والحلف الأطلسي خرج عن مهمته، وأخذ يستعمل القوة لتغيير النظم، كما فعل في ليبيا ومن قبل في العراق وأفغانستان، والإسلام يشبّهه بعض الدارسين الغربيين بالنازية، وهذا وليم بويكن William G.Boyken وزير الدفاع الأمريكي الأسبق يصرّح في خطاب لجماعة من النصارى، ويقول: إن الأمريكان أمة مؤمنة كما ينص الدستور، وأن عدوهم عدو روحي هو الشيطان»، يقول: «أنا محارب (…) سأبقى محاربا، والذي أتيت اليوم من أجله هو تجنيدكم لتصبحوا مقاتلين في مملكة الرب» أورد هذا النص الأستاذ أمير نور المتخصص في العلاقات الدولية في كتابه: «العالم العربي على موعد مع سايكس-بيكو جديد» نشره «عالم الأفكار» الجزائر 2014، ص85، ويقصد بالشيطان الروحي الإسلام.
استعرض صاحب الكتاب خطة أوديد يـينون Oded Yinon وعنوانها: إستراتيجية لإسرائيل في الثمانينات (A strategy for Israel in the Nineteen Eighties) وهذه الخطة ما تزال حية وتنفذ إلى 2014، حين كشف عنها، وننقل منها الفقرات التالية التي أريد أن يتنبّه إليها قراؤنا الكرام:
«تتسنّى لنا اليوم إمكانيات كبيرة، لقلب الأوضاع تماما، وهذا الذي يجب علينا تحقيقه في العشرية المقبلة، وإلا حكم علينا بالزوال كدولة».
«فإنه من الحيوي بالنسبة لنا أن نسترجع سيناء، بما فيها من ثروات مستغلة ومحتملة، هذا مقصد سياسي له أولوية، واتفاقيات السلام وكامب ديفيد، تعيقنا عن تحقيقه… تقسيم مصر، وتحويلها إلى قطع جغرافية منفصلة، هذا هو المقصد السياسي الإسرائيلي على الجبهة الغربية خلال الثمانينات».
«إذا انقسمت مصر فإن بلدانا كليبيا، والسودان، وحتى البلدان الأكثر بعدا لن تتمكن من الاستمرار في هيئتها التي تعرف بها الآن، وستلحق مصر في سقوطها وانقسامها، وستنشأ دولة مسيحية قبطية في جنوب مصر، وعدد من الدول الضعيفة ذات السلطة المحدودة عوض السلطة المركزية للنظام الحالي، هذا هو المسار التاريخي المنطقي، الذي لا مناص منه على المدى الطويل، والذي لم يتأخر إلا بسبب اتفاقيات السلام لسنة 1979».
«انقسام لبنان إلى خمسة مقاطعات مؤشر عما سيؤول إليه أمر العالم العربي برمّته، بما فيه مصر، وسوريا، والعراق، وكل شبه جزيرة العرب.. وأما انقسام لبنان، وسوريا إلى مقاطعات منسجمة عرقيا ودينيا، كما هو الشأن في لبنان فمن المقاصد الأولوية لإسرائيل، على المدى الطويل، وأما سوريا فستنقسم إلى عدّة دويلات على حسب الطوائف العرقية، بحيث سيصبح الساحل دولة علوية شيعية، ومنطقة حلب دولة سنّية، وفي دمشق دولة سنية معادية لجارتها في الشمال، سيشكل الدروز دولتهم التي من الممكن أن تمتد إلى جولاننا، على أية حال ستمتد على حوران، وشمال الأردن، وستضمن هذه الدول الأمن والسلام، في المنطقة على المدى الطويل، وهذا الهدف في مقدورنا تجسيده في الوقت الحالي».
وتعرضت الخطة لتفكيك العراق تبعا للأعراق والطوائف، وفصل مناطق الشيعة في الجنوب عن مناطق السنة والأكراد في الشمال، وتكون هناك ثلاث مدن كبرى: البصرة، بغداد والموصل، أما بلدان الخليج بما في ذلك السعودية، فإنها دول قائمة على الرمال، وليس فيها إلا البترول، ونظمها لا ترتكز على أية قاعدة شعبية، وليس لها جيوش يعتمد عليها بما ذلك الجيش السعودي رغم ضخامة الأسلحة التي يكدسها، فإنه عاجز عن الدفاع عن النظام، وتدل على ذلك أحداث الحرم المكي 1980، وحرب اليمن الآن، والخطة ترى أنه على إسرائيل أن تنهي النظام الأردني، وتحويل السلطة إلى الأكثرية الفلسطينية، ولابد من نفي السكان من الضفة الغربية، «علينا العمل ما في وسعنا للإسراع في تحقيق هذه الخطة وإنجاحها في المستقبل القريب… لن يكون هناك تعايش سلمي في هذا البلد حتى يفهم العرب أنهم لا يعرفون وجودا ولا أمنا إلا بعد أن تستتبّ السيطرة اليهودية، من نهر الأردن إلى البحر، ولن يكون لهم أمن أو كيان خاص بهم إلا في الأردن».
وشعارهم: «كل نزاع داخل العالم العربي يخدمنا على المدى القصير».
ويلاحظ الأمير نور أن النخبة السياسية والفكرية العربية في غفلة محيرة لأنها لم تعرف الخطة إلا في سنة 2007، لدى عدد قليل من السياسيين، كتب بعض اللبنانيين سنة 1975، 1983 محذّرين، وبعد 2007 كتب السيد أحمد سعيد نوفل: «دور إسرائيل في تفتيت الوطن العربي» مركز الزيتونة للدراسات والاستشارة، بيروت، 2007، كما كتب أسعد عبد الرحمن: «مشروع رهيب للمنطقة» ديسمبر 2007، وكتب حسن نافعة السياسي المصري، خمس مقالات بعنوان: «مشروع صهيوني لتفتيت الوطن العربي» جانفي 2013.
هذه إشارة إلى مخطط واحد قديم نسبيا إلا أنه استمر رسم الخطط بعد ذلك إلى يومنا هذا وآخرها تنفيذ هذه الخطة الرهيبة باتخاذ دويلة عربية أداة سهلة لتقاد إسرائيل إلى عقر دار العرب والمسلمين لتخريبها من داخلها.
إنها جرثومة وباء كورونة فتّاك لتحطيم أية نهضة، ولمحاصرة تركيا أيضا بالرغم من أنها عضو في الحلف الأطلسي، التي أخذت طريقها في النمو، والقضاء على الثورات الشعبية العربية بما في ذلك تونس التي استعصت عليهم لحد الآن، وأنت ترى جامعة الدول العربية في اجتماعها الأخير تدين تركيا التي أنقذت ليبيا من الانهيار، وتسكت عن فرنسا، وروسيا، وأمريكا التي تتحالف مع إسرائيل لتشتيت العالم العربي الإسلامي، إنه سايكس-بيكو جديد على نطاق أوسع.